المقدمة
وبعد،
الفصل الأول : نبذة عن سيرة وحياة الإمام القائد (دام ظلّه)
الفصل الثاني : مؤلفاته
الفصل الثالث : جهاده
الفصل الرابع : مسؤولياته بعد انتصار الثورة
الفصل الخامس : شهادات علماء من أهل الخبرة بمرجعية الإمام القائد (دام ظلّه)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا ونبينا أبي القاسم محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين
إن مسألة
المرجعية والتقليد اليوم تكتسي أهمية خاصة، ليس عند الشيعة فقط أو في العالم
الإسلامي فقط وإنما في كل أنحاء العالم، بسبب قيام الثورة الإسلامية في إيران
وانتصارها في أكثر من بلد إسلامي، حتى أنها أصبحت في رأس الإهتمام لدى قوى
الإستكبار العالمي وتأخذ حيزاً هاماً من نشاط وسائل الإعلام الاستكبارية في محاولة
للتحريف والتشويه، والسبب في ذلك أن مسألة المرجعية تمثل موقعاً كبيراً من مواقع
القوة الأساسية في هذه الأمة، فالمرجعية هي التي أطلقت سنة 1920 الثورة في العراق
ضد الانكليز، وأطلقت ثورة التنباك في إيران والأهم أنها أطلقت الثورة الإسلامية في
إيران وبَنَتْ دولة الإسلام في ظل النظام العالمي القديم لتمتد في ظل النظام
العالمي الجديد.
فالمرجعية
إذا أُحْسِن فيها الاختيار يمكن أن تشكل موقعاً لإعطاء دفع قوي لهذه الأمة ويمكن
لا سمح اللَّه أمام أي حسابات خاطئة أن تشكل ثغرة هائلة تهدد الأمة ومصيرها
ومستقبلها بالكامل.
ومن هنا فإنه
لا يجوز التعاطي مع مسألة المرجعية ببساطة وسذاجة بل يجب التعاطي مع المسألة بكل
دقة ووعي وإحساس بالمسؤولية وبكل حذر.
والمرجعية مع
ذلك كله مسألة تعني دين الفرد وسلوكه الشخصي بينه وبين اللَّه تعالى ومع باقي
أفراد المجتمع وكذلك تعني دنياه، لذا كان من المهم التأكيد على الموازين الشرعية
في اختيار المرجع للتقليد بقطع النظر عن الحماس والشعارات والميل النفسي أو حتى
المصلحة السياسية العليا بمعزل عن الموازين الشرعية، والموازين الشرعية التقليدية
مذكورة في الرسائل العملية وزبدتها الاعتماد على البيِّنة الشرعية وهي شهادة أهل
الخبرة من الفقهاء والفضلاء العارفين بأحوال الفقاهة ويكفي في ذلك شهادة عالمين
عادلين على تفصيل يرجع من يشاء إليه في الرسالة العملية.
فأي تقليد لا
يكون على أساس الموازين الشرعية ليس تقليداً شرعياً ولا يستطيع أي نظام سياسي أو
حركة إسلامية أن تشكل غطاءً شرعياً لهكذا نوع من التقليد.
إن كون
المسألة تعني الفرد لا يعني بالضرورة أن يكون الاختيار فردياً بمعنى عدم التعاون
والتشاور والتناصح بين المؤمنين في اختيار مرجعهم، بل يمكن القول أن موضوع اختيار
المرجعية من أبرز مصاديق قوله تعالى: " ألا الذين آمنوا وعملوا الصالحات
وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر" ، وبالأخص في هذا الوقت حيث أصبحنا أمام وضع
جديد للمرجعية لم تعد فيه موقعاً للإفتاء في مسائل الطهارة والنجاسة فقط بل تواجه
الأمة اليوم مسائل كبيرة وتحديات عظيمة تتطلب الافتاء في المسائل المالية والاقتصادية
والاجتماعية وغيرها.
والمرجعية
اليوم هي أكبر موقع مالي في هذه الأمة حيث يمكنها من خلال سياسة مالية واضحة أن
تعالج الكثير من مشاكل الأمة على المستوى المعيشي والاقتصادي والاجتماعي.
من هنا يقال
في ظل الحرية الفردية في اختيار المرجع لا يجوز التفكير الفردي فقط وإنما يجب أن
نفكر بأنفسنا كأُمة، حاضراً ومستقبلاً، وهذا المستجد يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار
ولا يعني على الإطلاق تنازلاً عن أي شيء بسيط من الموازين الشرعية بل إن ذلك
يتطلب إضافات قيوداً على الموازين الشرعية.
وفي الكلام
عن اختيار المرجع لا بد أن يقال هنا وفي مجال طرح ورد الأسماء أن قداسة الموقع
والهدف الغائي لطرح المرجعية يتنافى بشدة مع أي حساسية أو تعصب أو إساءة قد تلحق
بالعلماء الآخرين الأجلاء أو بمن يطرحهم، وليكن الحوار والنقاش بالحكمة والموعظة
الحسنة فلا يطاع اللَّه من حيث يعصى ولا يجوز من أجل أن نركز مرجعية نعتقد بها أن
نسيء إلى شخصيات جليلة ومحترمة، هذا أصل يجب التعاطي معه ولا يجوز مخالفته
بحال.وعلى أساس ما تقدم ومن موقع الإرشاد والهداية وطرح الرؤية الأصلح بنظرنا وليس
من موقع الفرض والالزام، وبعد الرحلة الملكوتية لمرجعنا العزيز بقية السلف الصالح
والذخيرة الإلهية المودوعة سماحة آية اللَّه العظمى الشيخ الأراكي تغمده اللَّه
بواسع رحمته، ومن موقع حاجتنا لمرجع نرجع إليه في مسائلنا الشرعية وأمور التقليد،
وطبقاً للموازين الشرعية ثبت لدينا وبالعديد العديد من البينات الشرعية والشهادات
الحسية من عشرات الفقهاء والمدرسين الأجلاء في الحوزات العلمية في إيران الإسلام
وخارجها أن الأصلح والأولى والأفضل والأكثر براءة للذمة والأقرب لمصلحة الأمة
الإسلامية وحفظها هو تقليد سماحة السيد المعظم ولي أمر المسلمين آية اللَّه العظمى
الإمام السيد علي الخامنئي دام ظله الشريف.
وقد تضافرت
الشهادات والبينات من العلماء الأجلاء من أنحاء العالم الإسلامي سيما علماء
الحوزات العلمية وبالأخص حوزة قم المقدسة وبشكل منقطع النظير فاق كل توقع.
وهنا نترك
الكلام للشهادات الطيبة وكفى بها دليلاً بيناً على مرجعية هذا السيد المعظم
المشمول بالعناية الإلهية وبالألطاف الخفية لمحضر صاحب الأمر والزمان أرواحنا
لتراب مقدمه الفداء فمع شهادات عشرات العلماء الأعلام تبين بألسنة وعبارات مختلفة
وروحٍ ونَفَسٍ واحد حقيقة واحدة يختصرها قول اللَّه عز وجل:" اللَّه أعلم
حيث يجعل رسالته" .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
جمعية المعارف الاسلامية الثقافية
الفصل الأول : نبذة عن سيرة وحياة الإمام القائد (دام ظلّه)
ولادته ونسبه:
ولد سماحة
آية الله العظمى الحاج السيد علي الحسيني الخامنئي ( دام ظله ) عام( 1939م) بمدينة
مشهد المقدسة في عائلة علمائية محترمة.
والده هو آية
الله الحاج السيد جواد من المجتهدين وعلماء مشهد المحترمين، كان يقيم الجماعة
كوهرشاد صباحاً وفي مسجد بازار مشهد ظهراً
ومساءً لسنوات طويلة، وكان من المبلغين المعروفين. توفي في ذي القعدة 1406ه
عن عمر ناهز الثالثة والتسعين عاماً.
جدّه هو آية
الله السيد حسين الخامنئي من علماء آذربيجان. كان يعيش في حي خيابان بتبريز ثم
هاجر الى النجف وأقام هناك واشتغل بالتدريس والبحث. وكان من أهل العلم والتقوى،
قضى عمره في الزهد والقناعة.
زوج عمّته هو
العالم الشهيد الحاج الشيخ محمد خياباني، المولود في قصبة خامنة من توابع تبريز،
وسُمي بالخياباني لإقامته صلاة الجماعة في مسجد كريمخان في حي خيابان بتبريز، وكان
من العلماء المعروفين والمجاهدين في عهد الدستورية ( المشروطة) ، وكما قال في حقّه
المرحوم الحاج محمد باقر بادامجي
المجاهد الصامد في عهد الدستورية والمعاصر للشيخ محمد الخياباني : كان الأروع
والأزهد والأفقه نسبياً بين زملائه من أئمة الجماعات.
أصبح الشيخ
الخياباني ممثل أهالي تبريز في المجلس الوطني، وقاد ثورة ضد الأوضاع المتردّية
آنذاك وأُستَشهد في تبريز.
ووالدته هي
كريمة حجة الإسلام السيد هاشم نجف آبادي من علماء مشهد المعروفين. كانت امرأة
عفيفة شريفة عالمة بالمسائل الدينية ومتخلّفة بالأخلاق الإلهية، وافتها المنية في
محرم من عام 1409ه عن عمر ناهز ال76 عاماً إثر إصابتها بنوبة قلبية.
وأما من
الناحية الإجتماعية فإن سماحة الخامنئي متزوج وله ستة أبناء.
طفولته:
قضى آية الله
العظمى السيد الخامنئي ( دام ظله ) فترة طفولته برعاية والده، الذي كان شديد الحرص
على تربية أبنائه وتعليمهم وعطوفاً ومحباً لهم في الوقت نفسه، وأمّه الأكثر حناناً
وعطفاً، وعاش في عسرة وضيق شديدين، وكما يقول سماحته:
" لقد قضيت طفولتي في عسرة شديدة خصوصاً أنها كانت مقارنة
لأيام الحرب، وعلى الرغم من أنّ مشهد كانت خارجة عن حدود الحرب، وكان كل شيء فيها
أكثر وفوراً وأقل سعراً نسبة الى سائر مدن البلاد، إلاّ أنّ وضعنا الماديَّ كان
بصورة بحيث لم نكن نتمكن من أكل خبز الحنطة، كنّا عادة نأكل خبز الشعير، وأحياناً
خبز الشعير والحنطة معاً، ونادراً ما كنّا نأكل خبز الحنطة. إنّني أتذكّر بعض ليالي
طفولتي حيث لم يكن في البيت شيء نأكله للعشاء، فكانت والدتي تأخذ النقود التي كانت جدتي تعطيها لي أو لأحد أخواني
أو أخواتي أحياناً وتشتري ها الحليب
أو الزبيب لنأكله مع الخبز.
لقد كانت
مساحة بيتنا الذي ولدت وقضيت حوالي خمس سنوات من عمري فيه بين( 70 60 متراً) في حيّ فقير بمشهد وفيه غرفة
واحدة وسردا مُظلم وضيق.
وعندما كان
يحلّ علينا ضيف وبما أن والدي كان
عالماً ومرجعاً لشؤون الناس، فكان دائم الضيوف كان علينا الذهاب الى السرداب حتى يذهب الضيف، وبعدة فترة
اشترى بعض المريدين لوالدي قطعة أرض بجوارنا وألحقوها ببيتنا فاتسّع البيت الى
ثلاثة غرف.
ولم يكن
ملبسنا أفضل من ذلك، فقد كانت والدتي تخيط لنا من ملابس والدي القديمة شيئاً
عجيباً وغريباً، كان لباساً طويلاً يصل إلى أسفل الركبة يحتوي على عدة وصلات،
طبعاً يجب أن يقال أن والدي لم يكن يغيّر ملابسه بهذه السرعة، فعلى سبيل المثال
بقي أحد ملابسه بلا تغيير لمدة أربعين عاماً" .
دراسته:
التحق الإمام
الخامنئي ( دام ظله ) ولم يتجاوز عمره خمس سنوات مع أخيه الأكبر السيد محمد
بالكتاتيب لتعلّم القرآن، وبعد مدة أُرسلا معاً الى مدرسة ابتدائية دينية هي ( دار
التعليم الديني) .
وهذه المدارس
قد تأسّست من قبل المؤمنين بعد عهد القمع الذي أوجده رضاخان، وهدفها الاهتمام
بتربية الطلبة دينياً أكثر من أي شيء آخر، ولم تكن تملك صلاحية إعطاء الشهادة
الدراسية.ففي هذه المدرسة كانت تُدرّس
إضافة الى منهج المدارس الإبتدائية
قراءة القرآن ودروس في كتب ( حلية المتَّقين، حساب السياق ونصاب الصبيان) .
وبعد أن أكمل
سماحته المرحلة الابتدائية في هذه المدرسة، التحق بالدراسة المسائية في المدرسة
الحكومية دون علم والده وحصل على الشهادة المتوسطة. ثم أنهى
دراسته الثانوية خلال سنتين
خُفية وحصل على الشهادة الثانوية.
وأمّا في
مجال العلوم الدينية، فقد شرع بالقواعد العربية في تلك المدرسة ( دار التعليم
الديني) ، وقرأ ( شرح الأمثلة) عند والدته، وكتابي ( صرف مير) و( التصريف) عند
والده، ودرس ( العوامل) و( الأنموذج) في المدرسة عند اثنين من المعلّمين، ثم التحق
في الرابعة عشرة من عمره بمدرسة سليمان خان للعلوم الدينية، ودرس كتابي ( الصمدية)
و( السيوطي) وقليلاً من ( المغني) .
وحضر درس
الشرائع عند والده، وعندما وصل الى كتاب الحج طلب منه والده الإلتحاق بدرسه ( شرح
اللمعة كتاب الحج) ، والتباحث مع
أخيه الحاج السيد محمد، وبعدها التحق سماحته بمدرسة نواب للعلوم الدينية وأكمل
السطوح هناك، ثم حضر بحث الخارج عند المرحوم آية الله العظمى الميلاني ( قدس سره)
.
ولقد قل نظير
هذا الأمر، وهو أن يشارك شاب في السادسة عشر من عمره في بحث الخارج. ويرى سماحة آية الله العظمى
الخامنئي ( دام ظله ) الفضل في ذلك الى اهتمام والده فيقول:
" لقد كان والدي العامل الرئيسي في انتخابي طريق العلم النيّر
والعلماء، ولقد شوّقني ورغّبني بذلك... فعندما شرعت بالدروس الدينية، كان الفارق
في العمر بيني وبين والدي شاسعاً ( كان 45 سنة تماماً) ، إضافة الى ذلك فقد كانت لوالدي
مكانة علمية بارزة، وكانت لديه إجازة اجتهاد، وتخرّج على يديه الكثير من طلبة
العلوم الدينية في مستويات عالية. لذا لم يكن من المناسب وهو في هذه المكانة
العظيمة أن يدرّسني وأنا في المرحلة الأولى من دراستي، ولم تكن لديه الرغبة ولا
الصبر على ذلك، لكن نظراً لاهتمامه بتربيتنا، فقد درّسني وأخي الأكبر ومن بعدنا
درّس أخانا الأصغر، فحقّه عظيم علينا في مجال التدريس والتربية وخصوصاً عليّ،
لأنّه لو لم يكن موجوداً لما وفّقنا في تحصيل الفقه والأصول.
وقبل ذهابي
إلى قم، حضرت علاوة على دراستي عند
والدي الدروس العامة في مشهد، وفي
العطلة الصيفية كان والدي يضع لنا برنامجاً دراسياً ويباشرنا بالتدريس، ولهذا
السبب لم يحصل توقف في دراستي خلافاً للذين كانوا يدرسون في الحوزات العامة والتي
كانت تعطّل في شهري محرم وصفر وشهر رمضان المبارك وفي العطلة الصيفية، فأنهيت دروس
السطوح جميعها وشرعت بالبحث الخارج وأنا في السادسة عشر من عمري" .
تدريسه:
يواصل سماحة
آية الله العظمى الخامنئي ( دام ظله ) حديثه فيقول:
" لقد شرعت بالتدريس في الأيام الأولى من دراستي الحوزوية أي
بعد إتمام المرحلة الابتدائية في المدرسة مباشرة، وبدأت بتدريس كتاب الأمثلة وصرف
مير لاثنين من ملالي مشهد المسنّين، وحتى عام( 1958م) حيث كنت مقيماً بمشهد، قمت
بتدريس هذه الكتب ( الصرف، النحو، المعاني، البيان، الأصول، والفقه) .
وفي قم أيضاً
قمت بالتدريس إلى جانب دراستي.
وبعد عودتي
من قم إلى مشهد عام( 1964م) ، كان التدريس أحد برامجي الرئيسية والدائمة، وطوال
هذه السنوات حتى عام( 1977م) ، قمت بتدريس السطوح العليا، ( المكاسب والكفاية) ،
التفسير والعقائد.
في عام(
1957م) تشرّفت بزيارة العتبات المقدسة وكان جو حوزة النجف يشدّني للبقاء في ذلك
المركز العلمي، لهذا وددت البقاء بالنجف، وبقيت فترة قصيرة، لكن والدي رفض بقائي
هناك، فرجعت الى مشهد.
وتوجّهت في
عام( 1958م) الى قم بإذن من والدي، وبقيت هناك حتى عام( 1964م) ، لكن اضطررت في
عام،( 1964م) الى العودة الى مشهد
لفقدان والدي بصره رغم
المخالفة الشديدة لبعض أساتذتي الكبار في قم" .
أساتذته:
يقول سماحته
حول أساتذته:
" في مشهد أيضاً أو منذ عام( 1964م) بالإضافة الى دراستي كنت أقوم بالتدريس أيضاً وكنت أحضر درس
الفقه حتى عام( 1970م) .
" قرأت كتابي ( الأنموذج والصمدية) في مدرسة سليمان خان
العلمية بمشهد عند الشيخ علوي نامي
والذي كان هو بدوره يواصل دراسة الطب الحديث ثم قرأت السيوطي وقليلاً من المغني في المدرسة نفسها عند شخص
يدعى الشيخ مسعود، وبما أنّ أخي الأكبر السيد محمد كانت لديه غرفة في مدرسة نوّاب،
لهذا ذهبت وشرعت في كتاب المعالم الى جانب دراستي للسيوطي والمغني" .
وفي تلك
الأيام اقترح عليّ والدي أن يدرّسني كتاب شرائع الإسلام للمحقق الحلّي (رض) ، ومع
أن الشرائع لم يكن كتاب تدريس، إلاّ أن والدي شعر أنّ هذا الكتاب مؤثر في تقدمي
العلمي، وبالفعل صار هكذا. أي أنّه درَّسني كتاب الشرائع من بدايته الى كتاب الحج،
وعندما بلغنا كتاب الحج وكان والدي
يدرّس أخي شرح اللمعة كتاب الحج آنذاك
قال لي: تعال وشارك في درس شرح اللمعة، قلت له: قد لا يمكنني فهمه، قال لي:
بل يمكنك فهمه، فشاركت في الدرس وبالفعل فهمته هذا وقد درست ثلاثة أرباع كتاب شرح اللمعة تقريباً عند والدي،
والبقية عند المرحوم ميرزا أحمد مدرس اليزدي الذي كان مدرسا معروفاً في شرح اللمعة
والقوانين بمدرسة نوّاب، وبعد أن أنهيت دراسة اللمعة، حضرت درس المكاسب والرسائل
عند المرحوم الحاج آية الله الشيخ هاشم القزويني ( الذي كان من تلامذة المرحوم
ميرزا الأصفهاني وكان من أهل رياضة النفس ومدرساً من الطراز الأول في مشهد،
ومحترماً فهِمَاً معروفاً، ورجلاً شريفاً وبصيراً لدى خواص مشهد وبالأخص لدى أهل
العلم) ، لقد كان عالماً جامعاً حسن البيان بحيث أنني لم أرَ مثله في حسن البيان
لا في النجف ولا في قم رغم حضوري أغلب الدروس هناك.
لقد قرأت
عنده القسم الأعظم من ( الرسائل والمكاسب والكفاية) ، وعندما أقول القسم الأعظم،
لأني درست ما بقي منه عند والدي، لذا يجب أن أقول: إنّ لدعم والدي النصيب الأوفر
في تقدّمي الدراسي، فبلغت فترة دراستي منذ اللحظة الأولى في طلبي العلم حتى شروعي
بحث الخارج خمس سنوات ونصف أي أنني أنهيت السطوح في خمس سنوات ونصف.
وشرعت في
حضور بحث الخارج عند المرحوم آية الله العظمى الميلاني (رض) ، وقد كان عالماً
محقّقاً ومن مراجع مشهد، فحضرت درسه في الأصول لمدة سنة، والفقه سنتان ونصف حتى
أواخر عام( 1958م) عندها توجّهت الى قم.
ولا يخفى أن
أذكر أنّني حضرت بحث الخارج فترة عند آية الله الحاج الشيخ هاشم القزويني أي أنّه
درّس الخارج في الأصول بإصرار منّا، وكان بحثه واسعاً بحيث ينقل جميع الآراء ثم
يبدأ بالرد عليها.
وحضرت في
مشهد درساً آخر أيضاً وهو درس الفلسفة عند آية الله الميرزا جواد الطهراني، وكانت
طريقته في التدريس كالتالي: كان يدرّس كتاب المنظومة وينقل مطالب المرحوم الحاج
ملا هادي السبزواري ثم يفنّدها، فكان درسه في الحقيقة رداً على المنظومة، الى أن
قال لي أحد الأصدقاء الذي درس الفلسفة في قم: إنّ هذا ليس بصحيح وهو أن تحضر درس
المنظومة عند الميرزا جواد وهو يرد على المنظومة، لأنك بهذه الطريقة لا يمكنك
تعلّم مفاهيم الحكمة، لذا يحسن أن تحضر عند من يعتقد بالحكمة، فقبلت كلامه هذا،
وحضرت عند " الشيخ رضا ايسي"
في مشهد، وكان عالماً وفاضلاً وحكيماً معتقداً بالحكمة كثيراً، فشرعت في
درس المنظومة عنده، فكان يدرّس هذه المباحث برؤية معتقدة بالحكمة تماماً.
ثم ذهبت إلى
النجف وحضرت دروس الآيات الحكيم والخوئي والشاهرودي والميرزا باقر الزنجاني
والمرحوم ميرزا حسن اليزدي والسيد يحيى اليزدي وأي درس وجد في أي مكان، لكن من بين
كل هذه الدروس، ارتحت كثيراً لدرس آية الله الحكيم وذلك لإسلوبه السلس وآرائه الفقهية
المتقنة، ودرس آية الله ميرزا حسن البجنوردي الذي كان يدرّس في مسجد الطوسي،
فارتحت لدرسه كثيراً. فقررت البقاء في النجف. كتبت رسالة الى والدي أطلب منه
الموافقة على ذلك، لكن والدي لم يوافق، لهذا رجعت الى مشهد. وبعد فترة توجهت الى
قم، وهناك قررت الإطلاع على جميع الدروس حتى أحضر الدرس الذي يعجبني، فحضرت درس
الإمام ومن بعده درس آية الله الحاج الشيخ مرتضى الحائري، والآخر درس آية الله
العظمى البروجردي، ومن بين كل تلك الدروس كنت أُشارك في درس الأصول للإمام بصورة
مستمرة، واستفدت قليلاً في الفلسفة من بحوث الطباطبائي في الأسفار والشفاء" .
وقد حصل
سماحته على رتبة الاجتهاد على يد استاذه آية الله العظمى الحائري عام 1974م بعد
حضوره البحث الخارج أكثر من خمسة عشر عاماً.
مؤلفاته:
إشتغل سماحة
آية الله العظمى الخامنئي ( دام ظله ) بالتأليف منذ عام 1963م وله العديد من
المؤلفات بعضها غير مطبوع، نذكر منها:
1 كتاب الجهاد ( بحث
الخارج لسماحته)
2 الاستفتاءات (
مجلدان)
3 الإيمان
4 النبوة
5 الإمامة
6 بحث في الفكر
الإسلامي
7 آلام الإمام
علي(ع) وآلامنا
8 القرآن والعترة
9 دروس في معرفة
الإسلام
10 دروس في العقائد
11 دروس في الحديث
12 الهجرة
13 من أعماق الصلاة
14 الحياة السياسية
للإمام الصادق (ع)
15 التوحيد
16 الولاية
17 عنصر الجهاد في
حياة الأئمة (ع)
18 تفسير القرآن.
19 معرفة الإمام علي
(ع)
20 بحث في الصبر
21 دروس في الفكر
الإسلامي
22 دروس في القرآن
23 خصائص الإنسان
المسلم
24 سؤال وجواب( 5
مجلدات)
25 أربعة كتب رجالية
رئيسية
26 دروس في الأخلاق
27 المشروع العام
للفكر الإسلامي في القرآن
28 دور المسلمين في
ثورة الهند
29 الفن الثامن
30 الفهم الصحيح
للإسلام
31 ترجمة تفسير في
ظلال القرآن لسيد قطب
32 ترجمة كتاب صلح
الإمام الحسين (ع)
33 ترجمة كتاب
المستقبل لهذا الدين
34 ترجمة كتاب حكم
ضد الحضارة الغربية
35 الحكومة في
الإسلام
36 قبس من نهج
البلاغة
37 الشخصية السياسية
للإمام الرضا (ع)
38 بحث في الثأر
39 الفن عند قائد
الثورة
40 جهاد الإمام السجاد
(ع)
والجدير ذكره
أن سماحة السيد ( حفظه الله) يجيد عدة لغات، ولديه إلمام واسع بالشعر والأدب.
عاش سماحة
آية الله العظمى السيد علي الخامنئي ( دام ظله ) طوال حياته المباركة إماماً
مجاهداً بالقلم والبيان أو بالسلاح خصوصاً حينما بدأ الإمام الراحل العظيم قدس سره ثورته الإسلامية الكبرى عام( 1962م) ، فلم يتوان هذا المجاهد
الشجاع لحظة واحدة في السعي والجهاد، وقضى ثلاث سنوات من عمره ما بين الأعوام(
1978 1963م) في سجون الشاه وقريب
عام في المنفى. وإليك جوانب من حياته الجهادية نقلاً عن سماحته:
" أما حول دخولي ساحة الجهاد والمعترك السياسي، فبين عام(
1953 1952م) سمعت أنّ المرحوم نواب
صفوي قد جاء الى مشهد، وكان شيء خفي يجذبني له، وكنت أودّ رؤيته كثيراً، إلى أن
أُخبرنا أن نواب ينوي المجيء الى مدرسة سليمان خان والتي كنت أحد طلابها، ويعتبر
يوم مج نواب الى مدرسة سليمان خان من الأيام التي لا تُنسى في حياتي.
فعندما دخل
نواب صفوي المدرسة مع بعض أعضاء منظمة ( فدائيو الإسلام) الذين كانوا واضعين قبعات
خاصة على رؤوسهم، بدأ بإلقاء خطاب قوي وهو قائم، وكان مضمون خطابه هو إحياء
الإسلام وإقامة حكومة إسلامية، وشنّ هجوماً عنيفاً في خطابه على
الشاه والإنكليز، واتّهم مسؤولي البلاد بالكذب وقال: إن هؤلاء المسؤولين ليسوا
بمسلمين.
إنني كنت
أسمع بأُذنيّ هاتين هذه الأقوال من لسان المرحوم نواب، فوقع كلامه على قلبي،
وتمنّيت أنّ ألازمه دوماً. وأُعلن هناك أن نواب يتحرك غداً من المهدية باتجاه
مدرسة نواب، وفي اليوم الثاني تحرّك في حشد من المهدية باتجاه المدرسة المذكورة
آنفاً، وفي الطريق كان يخاطب الناس بصوت عال ويردّد: " أخي المسلم الغيور،
يجب أن يحكم الإسلام" إلى أن
دخل المدرسة، وهناك ألقى خطاباً مفصّلاً ومثيراً. وبعد انتهاء الخطاب أقترح عليه
إقامة صلاة الجماعة، فوافق على ذلك، وصلّينا الجماعة بإمامته، ثم غادر مشهد، ولم
نعلم عنه شيئاً بعد ذلك اليوم إلى أن بلغنا نبأ استشهاده، فغضبنا لذلك كثيراً
وبدأنا نردّد شعارات ونشتم الشاه، والنقطة الملفتة للنظر هي أنّ المرحوم آية الله
الحاج الشيخ هاشم القزويني كان العالم الوحيد في مشهد نظراً الى طهارة سريرته وهمّته العالية الذي أبدى ردّة فعل تجاه استشهاد المرحوم
نواب ورفاقه، وانتقد في درسه نظام الشاه بشدة وأبدى تأثره وحزنه على إستشهادهم،
وقال: إنّ بلادنا بها وصلت الحالة إلى درجة بحيث يقتل فيها ابن رسول الله (ص) لا لشيء سوى قوله الحق.فكان نواب
أول من أوقد شرارة نهضة إسلامية في نفسي ذاك الزمان، ولا يختلجني شك أن نواب هو
أوّل من أوقد هذه الشعلة في نفوسنا، ولهذا أصبح تقليد المرحوم نواب سبباً لبدء أوّل
تحرّك جهادي عام( 1955 أو 1956م) وكان تحرّكنا الجهادي بهذه الصورة وهي حينما بُعث
شخص باسم ( فرح) محافظاً لمدينة مشهد، وكان هذا الشخص لا يحترم أيّاً من المظاهر
والضوابط الإسلامية، ومن جملتها أنّه كان من المقرر رسمياً أن تعطّل السينما في
مشهد شهري محرم وصفر، ففي البداية أعلن عن تعطيل السينما الى اليوم الرابع عشر من
محرم، لكن بعد أن ارتفعت أصوات الاحتجاج، مدّدها الى العشرين من محرم، لهذا السسبب
عقدنا جلسة وكنا عدة أفراد وكتبنا إعلاناً حول الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر وأرسلناه عن طريق البريد الى أماكن متعددة.
جهاده منذ عام 1962م فما بعد:
لقد نهضت
الحوزة العلمية بقم وثار مركز العلم والتقوى والجهاد سنة( 1962م) بنداء من إمام
الأمة ( رض) ضد الشاه. فكان العلماء والطلبة يوصّلون نداءات وتوجيهات الإمام وسائر
المراجع إلى أقصى مناطق إيران بكل إخلاص وشجاعة، وكانت إعلاناتهم تطبع وتوزّع
بمساندة جميع القوى الشعبية المؤمنة، وانتقلت هذه الثورة الى سائر الحوزات العلمية
والمجاميع الدينية وأهمّها حوزة مشهد العظيمة والصامدة.
وكان لسماحة
آية الله العظمى الخامنئي دور بنّاء وعظيم في هذا المجال، فإلى جانب نشاطاته في
قم، وثّق علاقاته بالعلماء والطلبة في مشهد وسعى مستعيناً بنشاط سائر علماء خراسان في تجهيز طلبة العلوم الدينية بصورة أفضل، فكانت نشاطاته مؤثرة
ومبهرة للعين بحيث أنّه بُعث سنة( 1963م) من قبل الإمام الى مشهد لإيصال ثلاثة
نداءات مصيرية حول شهر محرم الذي وقعت فيه انتفاضة 15 خرداد. النداء الأول كان
موجّهاً الى العلماء والخطباء ورؤساء الهيئات الدينية حول التهجّم على اسرائيل
وقضية الفيضية، والنداءان الثاني والثالث كانا الى المرحوم آية الله العظمى
الميلاني (رض) وأحد علماء مشهد حول بدء الكفاح العلني في السابع من محرم.
وقد تمّ
إنجاز هذه المسؤولية بالصورة المطلوبة، وأدّت هذه النداءات الثلاثة الى تقوية
الجهاد في محافظة خراسان.
وكان سماحته
أثناء سفره ينقل الى أبناء الشعب في
المدن التي يمر بها في طريقه ومن على المنبر جوانب من هذه النداءات، فاستطاع بعمله هذا نثر بذور الثورة في
كل مكان، ثم قرّر سماحته مع جمع من زملائه الملتزمين السفر الى مختلف مدن المحافظة
والبدء من اليوم السابع من محرم تلك السنة
حسب البرنامج الذي أعدّه الإمام
بشرح القضايا الراهنة والأوضاع السياسية والاجتماعية وفاجعة الفيضية والخطط
السرية للنظام؛ لأن الأرضية كانت مهيّئة لثورة جماهيرية ضد نظام الطاغوت وذلك بعد
قضية مجالس المدن والمحافظات وقضايا الاستفتاء الشعبي المزوّر للنظام ومحاربته
للإسلام والعلماء وارتكابه فاجعة المدرسة الفيضية وكذا الحداد العام في نوروز سنة(
1963م) .
استفاد
الإمام الراحل والعلماء من محرم تلك السنة على أفضل صورة، ووضعت البرامج لتبيين
الأمور بشكل مجمل من الأول الى السادس من محرم، ثم البدء في اليوم السابع ببيان
المطالب الرئيسية والحقائق بكل صراحة للشعب ليكشف عن وجه الشاه من تحت غطاء
الإصلاحات.
وكان نصيب
سماحة الإمام الخامنئي مدينة بيرجند التي كانت مركز قوة للنظام وكانت تدعى إقطاعة
أسد الله علم ( رئيس الوزراء آنذاك) .
ارتقى آية
الله العظمى الخامنئي المنبر في بيرجند من اليوم الثالث من المحرم، وأشعل فتيل
الثورة وذلك ببيان القضية لأبناء الشعب، في السابع من المحرم حيث شارك جمع غفير في المجلس بدأ ببيان مثير وجذّاب لفاجعة الفيضية،
فبكى الناس كثيراً.
يقول سماحته
عن تلك الأيام:
" في ذلك اليوم أطال الخطيب الأول بيانه وتأخّر عن النزول من
المنبر، فلم يبق لي غير نصف ساعة، وعندما بدأت الموضوع كنت أرتعب من شدة التأثر
رغم أني لم أخف مطلقاً، وكانت أحوال الناس تؤثّر بي أيضاً، كان الناس يبكون بصورة
عجيبة، وعندما نزلت من المنبر أحاطوا بي كي لا أُعتقل" .
فكان لهذا
المنبر صدى عظيم في المدينة، وفي صباح اليوم التالي حضر جمع غفير في مجلس آخر أقيم
في منزل أحد الأشخاص، وهناك أيضاً طرحتُ قضايا الساحة.
يُضيف
قائلاً:
" كان في بيرجند عالم شهير اسمه تهامي، قال لي ذلك اليوم: مع
إنني الأكثر اطلاعاً على الأمور في هذه المدينة، لكنّي لم أكن أعلم بهذه القضايا،
لولاك لما صدّقت هذه القضايا، وإنّني لم أبك في أيّ الحوادث بهذه الصورة" .
وانقلبت
الأوضاع في مدينة بيرجند في هذين اليومين بشدة وأصبح الناس على استعداد تام. وفي
صباح التاسع من محرم ارتقى سماحته المنبر وألقى خطاباً حماسياً أقلق السلطات بشدة
حيث اسرعت الى اعتقاله، رغم أنّ العلماء لا يعتقلون عادة في يومي التاسع والعاشر
من محرم. وحجز سماحته يومين في بيرجند ثم نُقل الى مشهد وسُلّم للسافاك. وكان لهذا
الاعتقال الأثر الكبير في يقظة الناس.
وقد كانت
لهذه النشاطات والنداءات أكبر الآثار بحيث احتلت مشهد في محرم تلك السنة المكانة
الثانية بعد طهران في زعزعة أركان النظام، ولهذا فقد تعامل النظام مع سماحته بعنف
ووحشية لم يسبق أن عومل العلماء بهذا الشكل من قبل، أي أنّه سُلِّم في البداية
للسافاك، ثم نُقل الى سجن خرب في القلعة ليُحرم حتى من الوسائل الأولية في السجن،
وهدّدوه بحلق لحيته بالموس، ثم غيّروا رأيهم فقصّروها بماكينة حلاقة.
يقول سماحته
حول هذا الموضوع:
" بعد هذا الفعل ( تقصير لحيتي) وعندما ذهبت لأغسل وجهي،
جاءني ملازم متكبّر مغرور وبدأ بالاستهزاء والقهقهة وقال: أرأيت كيف حلقنا لحيتك،
قلت له بسكينة: بل لم يكن سيّئاً، فإنني لم أرَ ذقني من فترة طويلة" .
وأجبروا
سماحته على العمل في المعسكر، أعطوه عربة لنقل الآجر ومعولاً ومسحاة لحفر الأرض
وتسطيحها وقطع الأعشاب بيديه، وأمثال هذه الأعمال التي لم يسبق أن عومل بها
السجناء العلماء من قبل، وإن دّل
على شيء، فإنَّما يدل على مدى غضب السلطات على هذا العالم الشجاع لمجاهد.
واستمرت فترة
الانتقال هذه عشرة أيام، يقول سماحته حول هذه الفترة:
" لم يكن السجن سيّئاً، كان تجربة جديدة وعالماً آخر مع
السافاك، ومع التحقيقات والعذابات والأوقات المريرة والإهانات الشديدة، وخلاصة
القول مع آلام الكفاح" .
وبعد اطلاق
سراحه، اجتمع بزملائه من جديد ليتمّ تقييم الأحداث والنشاطات السابقة، فقرّروا أن
يذهبوا الى مختلف مدن البلاد مرة أخرى لفضح جرائم النظام وتوسيع رقعة الثورة. يقول
سماحته:
" عقدنا جلسة وقررنا مع الزملاء هذه المرة ضمن برنامج ومخطّط دقيق أن يذهب كل واحد منا الى نقطة من البلاد ليكشف الحقائق للشعب.
كانت المراقبة شديدة وأجهزة النظام على استعداد لقمع الشعب بشدة، وقد أدّت جرائم
النظام الى تراجع البعض وإن كانت قد دعت البعض الآخر الى مقاومة أكثر وجهاداً أكبر"
.
ففي مثل هذه
الأوضاع، كانت صرخة العلماء هي الصرخة الوحيدة التي تدعو أبناء الشعب الى المقاومة
والجهاد، وكما يقول سماحة آية الله العظمى الخامنئي ( دام ظله) :
" لقد تواجد طلبة الإمام الخميني في جميع المدن والقرى
الصغيرة والنائية وفي أي مكان يرزح تحت وطأة ظلم الشاه وأياديه وتحت سيطرة أصحاب
المال والنفوذ المتسلّطين على أموال وأعراض وعقيدة وإيمان أبناء الشعب، وكشفوا
الحقائق للشعب دون أدنى خوف ووجل من الاعتقال والتعذيب" .
لقد كانت هذه
الأسفار والتحركات الجماعية خصوصاً بعد انتفاضة 15 خرداد وبعد إعتقال الإمام
الراحل (رض) قيّمة جداً، واتسعت هذه التحركات لتشمل أكثر المدن وبعض القرى بصورة
أرعبت النظام، ولهذا كانت ردّة فعل النظام بالمقابل عنيفة جداً.
وقد صادف شهر
رمضان( 1963م) شهر بهمن وذكرى مرور عام على الإستفتاء الشعبي المزوّر، وكان الإمام
(رض) محاصراً فلم يمكّن من وضع برنامج لشهر رمضان، لكن رغم غياب الإمام إلاّ أنّ
المراجع العلماء وبالخصوص طلبة الإمام المقرّبين والمؤمنين قد تمكّنوا من مواصلة
العمل وإبقاء مشعل الجهاد وضّاءاً، وانتشر طلبة وفضلاء الحوزة فترة شهر رمضان في
أنحاء البلاد وبدأوا بتوعية الشعب وفضح النظام.
وبدأ سماحة
آية الله العظمى وزملاؤه نشاطهم وتحركّهم، يقول سماحته حول هذه القضية:
" عندما تحرّكنا من قم في باص كنا ثلاثين طالباً للعلم، وكانت
مستويات الطلبة الجالسين في الباص متفاوتة، فكانوا ينزلون من الباص الواحد تلو
الآخر في الطريق، وكنت آخر من يجب عليه النزول في كرمان" .
وفي كرمان
شرع سماحته بإلقاء الخطب والاجتماع بالعلماء والطلبة والمجاهدين والتباحث معهم
لمدة ثلاثة أيام، ثم توجّه بالسيارة الى زاهدان، وهناك ارتقى المنبر في المسجد
الجامع، فلقي استقبالاً حاراً من الناس.
وفي السادس
من بهمن بدت خطاباته أكثر صراحة، إلى أن بلغ اليوم الخامس عشر من شهر رمضان ذكرى
مولد الإمام الحسن المجتبى (ع)
، فألقى كلمة قوية ومثيرة بحيث لم يرَ السافاك بُدّاً من اعتقاله ليلة
السادس عشر من شهر رمضان ونقله بالطائرة الى طهران، فاحتجز ليلة في معسكر سلطنت
آباد، ثم سُلّم في اليوم التالي لسجن قزل قلعة المشهور حيث يمارس في أبشع أنواع
التعذيب. فقضى شهرين بين سجن انفرادي وإهانات شديدة وتهديد بالقتل والتعذيب البشع
وسائر المصاعب. ومع ذلك كان أوّل عمل أقدم عليه هذا العالم المجاهد الشجاع بعد
إطلاق سراحه هو الذهاب لمقابلة الإمام (رض) في منزله الواقع في منطقة القيطرية
والذي كان في الحقيقة سجناً محترماً، وأفلح في مقابلة الإمام (رض) برفقة الشهيد
السيد مصطفى الخميني، وبقي ساعة بمحضر الإمام (رض) ، وعلى حدّ قوله:
" لقد أذهب الإمام (رض) التعب عن جسمي، وبكيت من شدة شوقي
لرؤية الإمام، فلاطفني الإمام كثيراً، وقلت لسماحته: لم نستفد من شهر رمضان
بالصورة المطلوبة نظراً لغيابك، لذا يجب علينا التفكير في محرم القادم من الآن"
.
تشكيل خلايا سرية:
ومن أجل ذلك
عقد سماحة الامام الخميني مع عدد من العلماء المجاهدين السائرين على خط الإمام
(رض) كآية الله المشكيني، وآية الله القدوسي، والمرحوم آية الله ربّاني الأملشي،
والمرحوم آية الله رباني الشيرازي، والشيخ الهاشمي الرفسنجاني، وآية الله مصباح
اليزدي، وآية الله الآذري القمي وآية الله أميني النجف ابادي وغيرهم، جلسة في قم
ناقشوا خلالها قضية تشكيل خلايا سرية منظّمة، وكان الهدف منها أن تكون مقدمة لوضع
الخطط وتنظيم نشاطات الحوزة العلمية بقم وكذا للسير على نهج الإمام (رض) ، فبدأت
هذه الخلايا بمباشرة عملها في سرَّية تامَّة بعد أن وضع ميثاقها وشروط عضويتها،
وانتُخب آية الله مصباح اليزدي سكرتيراً للجلسات، فكان عليه كتابة محضر الجلسات
وكذا الميثاق وسائر المطالب بخط يشبه كتابة الأدعية في الكتب القديمة، بحيث لا
يمكن لأحد غيره قراءتها، ولو وقعت في أيدي السافاك تصوّروا أنها من الأدعية
والطلاسم القديمة.
ولكن سنة(
1965م) كشفت هذه الخلايا وذلك بعد اعتقال آية الله الآذري القمي لسبب آخر، فعثر
السافاك على الميثاق في منزله، وتم تعذيبه، واعتُقل البعض وفرّ الآخرون ومنهم آية
الله العظمى الخامنئي والشيخ الهاشمي الرفسنجاني وآية الله مصباح الى طهران،
واختفى الامام الخامنئي عن عيون السافاك لمدة سنة تقريباً، حيث بقي مع الشيخ
الهاشمي في منزل واحد.
وكان ( مُدّ
ظله) قد فرّ من مشهد من قبل؛ بسبب ترجمته لكتاب ( المستقبل لهذا الدين) ، وذلك لما
تضمنه هذا الكتاب وبالخصوص المقدمة والحواشي التي أقلقت السافاك وأغضبته كثيراً،
فصودر الكتاب واعتقل اثنان من مسؤولي المطبعة، لكن الكتاب طُبع ووزّع عن طريق آخر
مما جعل السافاك يغضب أكثر، ويصرّ على مطاردته واعتقاله خصوصاً بعد كشف خلايا
التنظيم في قم.
واعتقل
الشهيد آية الله القدوسي في تلك الأيام ولكمن أطلق سراحه بعد التحقيق معه. فاستطاع
أن يعرف أثناء التحقيق أن السافاك قد كشف قضية الخلايا، لهذا أخبر بعد إطلاق سراحه الشيخ الهاشمي بالقضية، فعقدت جلسة
رباعية بين ( السيد الخامنئي والهاشمي والقدوسي وأميني النجف آبادي) في منزل
الشهيد باهنر، تم فيها مناقشة القضايا وقرّروا أن لا يظهر أحد منهم في الملأ
العام، وأن يأخذوا حذرهم، ولا يذهب سماحة آية الله العظمى الخامنئي ( مُدّ ظله)
الى مشهد في هذه الظروف.
وفي أواخر
عام 1966م خفت حدّة القضية بإطلاق سراح عدد من المعتقلين، ولهذا سافر سماحته الى
مشهد للزيارة، وطبيعي أن السفر لم ينحصر في الزيارة فقط بل كان عليه القيام بوظائف
أخرى، لذا عندما علم السافاك بمعاودته النشاط من جديد اعتقله في أوائل عام 1967م
مرة أخرى بذريعة كتاب ( المستقبل لهذا الدين) ، لكنه وبتأييد من الله تمكن من خداع السافاك والصمود أمام
الضغوط والتعذيب، ولم يتمكن السافاك من الحصول على أية معلومات منه.
لجنة العلماء للإغاثة:
مكث الإمام
آية الله العظمى الخامنئي بعد إطلاق
سراحه هذه المرة في مشهد بدلاً من
الذهاب الى قم أو طهران وانشغل بالتدريس والنشاطات العلمية. فوضع درساً لتفسير
القرآن الكريم خاصاً بطلبة العلوم الدينية ثم درساً آخر للجامعيين والشباب، قام
خلالهما بتبليغ وتعليم الإسلام الثوري، فتحول درسه الى قاعدة للجهاد والنشاطات
الثورية ومركز للإرتباط بالثوريين ومقر لتوعية وإيقاظ الشعب. وكان في الوقت نفسه
ستاراً لمعرفة المتلزمين والثوريين والارتباط بهم ومحوراً للتحركات الشعبية
والإسلامية.
ففي الزلزال
المدمّر الذي وقع في منطقة فردوس وكاخك وكناباد والذي ترك وراءه خسائر بشرية
ومادية فادحة، جمع ونظم سماحته ومجموعة من طلبة العلوم الدينية الثوريين بمشهد،
وبعد دعم معنوي من علماء مشهد ودعم مادي وخدماتي من التجار الثوريين والملتزميين
توجّه بهم الى فردوس، وشكّل لجنة علمائية للإغاثة.
يقول سماحته
حول هذا الموضوع:
" رأيت أنّه يجب تربية جمع من الطلبة يؤمنون بالجهاد من أعماق
قلوبهم ويبذلون كل ما في وسعهم في هذا الطريق، لهذا بدأنا العمل ووضعنا برنامجاً
مع الطلبة. وعندما وقع الزلزال، فاغتنمنا هذه الفرصة انطلاقاً من تفكيرنا هذا واتصلنا ببعض الأخوة وعرضنا عليهم قصدنا في الذهاب الى فردوس،
فحظيت هذه الخطوة بتأييد البعض، فاجتمعنا في سبعين الى ثمانين رجلاً بمن فيهم
الشيخ الطبسي والشهيد نجاد وجمع من طلبة العلوم الدينية وأهل البازار، وتحركنا في
خمسة عشر الى عشرين سيارة باتجاه منطقة الزلزال، وعندما شاهدنا آية الله الحاج
الشيخ علي مرواريد الذي كان قد حضر
إلى المنطقة مع جمع من الناس وشاهد
كيف أنّنا رتّبنا الأوضاع بهذه الصورة هناك، أخذته العبرة من ذلك..
وفي الأيام
الأولى أي بين عشرة الى خمسة عشر يوماً من تواجدنا هناك، اشتبه الناس بين اسمي
واسم الامام الخميني، فكانوا ينادون بأن الإمام الخميني جاء الى هنا، وبدأت تتوافد
مجموعات من القرى والمناطق البعيدة لرؤية السيد الخميني. وتبيّن لنا هناك أن السيد
الخميني هو للجميع، ولسنا الوحيدين الذين نحبّه، وكان اسم الخميني اسماً محبوباً
لدى الجميع في قرى تلك المنطقة بل حتى في القرى النائية. ولكن في نهاية الأمر
عرفني الناس من أنا.
لقد كان
شيئاً جميلاً بحيث أُربك النظام، وكانت وحدة من قوات الدرك مستقرة هناك، حاولت
إخراجنا من المنطقة بالقوة، هدّدونا وقالوا: إن لم تذهبوا، فسوف نخرجكم بالقوة من
هنا، قلنا: إننا لن نذهب، أيّها الزملاء لا تهابوهم، وقلت: يجب علينا أن لا نخاف
لأنه لا معنى للخوف، ووضعنا على هذا الحال وذلك لأنّنا جئنا هنا لمساعدة الناس،
وإن جميع إمكانات الناس في تصرّفنا، والنظام البهلوي لا يملك شيئاً، ولو ملك شيئاً
لما أعطاه الناس.
وبالفعل لم
تتمكن قوات الطاغوت من المقاومة ورجعوا من حيث أتوا، وواصلنا عملنا" .
هذه النشاطات
في مجال العلم والتدريس والجهاد وخدمة الناس كلها جعلت من سماحة آية الله العظمى
الخامنئي محوراً للجهاد في مشهد بالتدريج، يُتّصل به من جميع مناطق إيران، وهو
بدوره كان على ارتباط بسائر المناطق، لذا كان السافاك يبدي حساسية شديدة تجاهه،
فعُطّل درسه في التفسير عدة مرّات، لكن سماحته كان يشرع في مكان آخر، وبشكل آخر،
ممّا يضطر السافاك من جديد من منعه مرة أخرى، فكان لهذه النشطات الأثر الكبير على
نفوس الشعب وفضح الجهاز المتجبّر، وكان يُحَاصر منزله أحياناً وإن كان منزله مُراقباً في أغلب الأوقات
لمعرفة المتردّدين عليه ولا يسمح
لأحد أن يلتقي به.
لذا ذاع صيته
في الفضل والكمال والشجاعة في أقصى مناطق إيران، وكثرت عليه الدعوات من أكثر المدن
في إيران كأصفهان وكرمان ويزد وغيرها، إلى جانب طهران لإلقاء الخطابات والمحاضرات
في مجالسهم، فما كان من سماحته إلاّ أن استفاد من هذه الفرصة لتبيين أفكار الإسلام
الثورية وبيان الحقائق وقضايا الساعة ولزوم الجهاد والثورة.
وما زالت
محاضراته في الجمعيات الإسلامية ولدى الطلبة الجامعيين والهيئات الدينية النشطة
كهيئة أنصار الحسين (ع)
بطهران باقية في الأذهان، ومن جملتها محاضرات شهر رمضان بمدرسة الشيخ عبد
الحسين في بازار طهران عام 1969م تحت عنوان " شروط وأركان الثورة" .
وكان الرأي
السائد آنذاك هو أن تشديد الجهاد المسلح مفيد وذو تأثير كبير، وكان يطلق على جهاد
العلماء حتى تلك الفترة عنوان ( نهضة العلماء) ، دون ذكر مصطلح الثورة، لكن سماحة
آية الله العظمى الخامنئي ( دام ظله ) تحدث هذه المحاضرات في عشرين يوماً ونيفاً
عن الثورة بكل صراحة.
ولم تكن
المحاضرات وحدها، بل كان للكتب التي ترجمها أو ألّفها سماحته الأثر الكبير في
إحياء الروح والأفكار الثورية.
فكان لكتب (
صلح الإمام الحسن (ع)
المستقبل لهذا الدين ودور المسلمين في نهضة الهند) وما شابهها الدور الكبير
في تربية الشباب وإعدادهم للثورة.
وكان سماحته
قد أعتقل عام 1967م في قم بسبب هذه الكتب، لكن أُطلق سراحه في اليوم نفسه بعد أن
عجز السافاك من الحصول على أي مستمسك ضده.
الاعتقال من جديد:
عام 1970م
بدأ سماحته الترويج لخط الإمام ومرجعيته وإعلان الوفاء لقائد الثورة الإسلامية
وذلك بعد أن رأى الأجواء مناسبة لذلك، فاعتُقل مرة أخرى، وكان لهذا الإعتقال صدى
واسعاً في أوساط طلبة العلوم الدينية بمشهد وتأثيراً في الحوزة ممّا ساعد على
تنمية وترسيخ الأفكار الثورية وترسيخ الأفكار الثورية في نفوس الطلاب، لأن الأعوام
ما بين( 1971 1968م) كانت أعوام
البناء الثقافي الثوري السلمي. وكان المجاهدون في هذه الأعوام يتعرّفون على
الإسلام الثوري، وطبيعي أن يزداد إلتفاف الناس ( خصوصاً الشباب) حول العلماء
المجاهدين. فاستغل العلماء بدورهم هذه الفرصة المتاحة لهم عارضين العلوم والمعارف
الإسلامية الأصيلة عليهم سواء بالتبليغ على المنابر أو بالدروس الخاصة أو بجلسات
البحث والنقاش الحرّ، أو بنشر الكتب والكراسات الضرورية. ويطلق سماحة آية الله
العظمى الخامنئي على هذه الفترة اسم ( أعوام النشاطات السرية) .
وكان سماحته
منهمكاً بتربية الكوادر وتنظيم العناصر الموثوقة والارتباط بالجماعات النشطة
والمجاهدة، ولتسهيل هذا العمل، قَبل التدريس وإمامة الجماعة أيضاً.
فشرع بتدريس
التفسير في مسجد ( صدّيقيها) أو المعروف بمسجد الأتراك الواقع في بازار مشهد،
واضطر بعد فترة الى نقل الدرس الى مدرسة ميرزا جعفر نظراً لكثرة الحضور وضيق
المسجد، وكان يشارك في درس التفسير طلبة العلوم الدينية وجمع من المؤمنين
والمطّلعين على المسائل الدينية في مشهد. ولكن الدرس قد توقَّف مؤقتاً إثر اعتقاله
عام( 1970م) . واستمرت فترة الإعتقال هذه المرة أربعة أشهر وعدة أيّام.
عاود سماحة
الإمام الخامنئي نشاطه بعد إطلاق سراحه مرة أخرى، فمن جملة نشاطاته هي إلقاء
محاضرات في ليلتي التاسع والعاشر من محرم في الجمعية الإسلامية للمهندسين بطهران
حول حديث ( من رأى سلطاناً جائراً...) ، فكانت لهذه المحاضرات الثورية والحماسية
آثارها على نفوس الناس. إثر ذلك اتصلت به الجماعات السرّية ومنها منظمة ( مجاهدو
الشعب) الأوائل.
أما حول
ارتباطه بهذه الجماعات المسلحة، ففي عام 1971م وبعد الانفجار الذي وقع في أعمدة
الكهرباء أثناء الاحتفالات بمرور 2500 عاماً على النظام الملكي، أُعتقل سماحته
وعُرّض لأشد أنواع التعذيب، وسجن في زنزانة مظلمة رطبة، لكن رغم كل التعذيب الذي
تعرض له إلاّ أن السافاك واجه مقاومة بطولية وأسطورية من هذا العالم الشجاع
الأبيِّ، ولم يتمكن من الحصول على شيء منه، فاضطر الى إطلاق سراحه بعد خمسين يوماً
ونيفاً من احتجازه.وعاود نشاطه هذه المرة أيضاً وأُضيف مسجد الإمام الحسن (ع) والذي كان آنذاك
مسجداً صغيراً الى قواعد الثورة هذه
المرة، حيث بدأ سماحته بإلحاح جمع من الزملاء بتدريس تفسير القرآن وإقامة الجماعة
هناك، وبهذا العمل جمع سماحته بين العمل السريِّ والمحدود، والعمل العلني والمباشر
مع الجماهير عن طريق المسجد.
وبعد فترة
طُلب من سماحته أن يؤمّ الجماعة في مسجد ( كرامت) بالقرب من حديقة نادري بمشهد
والذي يعتبر من النقاط المزدحمة والحسّاسة في المدينة، ونظراً إلى كثرة الحضور
والإزدحام الجماهيري الكبير، فقد عُطّل المسجد من قبل السافاك فترة من الزمن.
وقد أثارت
هذه النشاطات إعجاب الكثير وبالخصوص الشهيدين المطهري وباهنر حيث أبديا في سفرهما الى مشهد فرحتهما وتقديرهما لهذه البرامج.
وكان المرحوم
الشهيد آية الله الطالقاني يصرح ويقول: إن السيد الخامنئي هو أمل المستقبل، فعندما
تذهبون الى مشهد، فاذهبوا للقائه حتماً.
وهذه
النشاطات جعلت السافاك يضعه تحت الرقابة الخاصة، فإمّا أن يتم إحضاره للتحقيق، أو
يُحَاصر منزله ويمنع الناس من التردّد عليه، أو تعطل دروسه بالقوة واحداً تلو
الآخر، إلى أن أُعتقل عام 1973م ونُقل الى طهران وحبس في سجون السافاك المخيفة أي
في لجنة مكافحة التخريب، واستمرت هذه الفترة من السجن حدود شهرين، قضاها بين
الزنزانات الانفرادية أو المكوّنة من اثنين أو ثلاثة مع التعذيب الشديد.
ويقول الشهيد
رجائي حول هذا الموضوع: في تلك السنة التي قضيتها في قبضة لجنة مكافحة التخريب عام
1974م والتي كانت جهنماً
حقيقية تسمع في هذه اللجنة الصياح
والأنين من الصباح الى الليل وبالعكس، فكانت مصداقاً للآية ( ثم لا يموت فيها ولا
يحيى) ، فالذين كانوا هناك لم يكونوا أمواتاً ولا أحياءاً، لأنهم كانوا يضربون حتى
الموت، ثم يداوون بعض الشيء حتى تتحسن صحّتهم تقريباً ثم يُعيدونهم الى التعذيب
مرة أخرى. وكانوا يُعذّبون الأشخاص في لجنة مكافحة التخريب بشتّى أنواع
التعذيب.كنت في الزنزانة رقم 18، وكان السيد الخامنئي في الزنزانة رقم 20، وكنا
نتبادل الأخبار بطريقة خاصة تعلّمناها في السجن تشبه طريقة إرسال الأخبار بواسطة
الشيفرة. فكنت أعطي الأخبار للزنزانة المجاورة ( رقم 19)، فيعطيها بدوره للسيد
الخامنئي وهكذا. وأتذكر جيداً أن الجلاّدين قد حلقوا لحية السيد علي الخامنئي
عنوةً وصفعوه على وجهه لكسر شوكته ولكنه كان مقاوماً وصامداً، يضع قميصه على رأسه
بشكل عمامة ويظهر بذلك المظهر أمام الآخرين. لقد قابلته ذات مرة في المرافق الصحية
وهو فرح ومسرور" .
فعلى الرغم
من كل الضغوط والتعذيب، إلاّ أن جهاز السافاك الرهيب لم يستطع معرفة أسرار تلميذ
الإمام (رض) ولم يتمكن من الحصول على أيِّ ذلل ولو صغير ضده لإتمام ملف المحاكمة
وإصدار الحكم ضده، لذا وبعد تغيّر سياسة أسيادهم الأميركان ووصول جيمي كارتر الى
سدة الحكم عام( 1975م) ، إضطر السافاك إلى إطلاق سراحه، فعاد إلى مشهد واستمر في
جهاده المرير ضد نظام الشاه وأجهزته.
وكانت
المسؤوليات في هذه المرة أكبر من السابق. فقد فشل تماماً الكفاح المسلح بالأسلوب
الذي تبنّته منظمة ( مجاهدو الشعب) ، رغم تحذير الإمام عام( 1970م) لمبعوث هذه
المنظمة إليه، ووقعت انشقاقات في هذه المنظمة وظهرت الأفكار الانحرافية
والالتقاطية.
وقد أخذ
الغرور والعنهجية النظام إثر توجيهه ضربات الى الفدائيين والشيوعيين، وأصبحت أكثر
القوى المجاهدة في حيرة من أمرها وأخذها الشعور بالشك وعدم الثقة بالجماعات
الجهادية، وأصيب آخرون باليأس والخمول وانفصلت القوى الجهادية عن عناصر منظمة (
مجاهدو الشعب) في السجن، فأصبحت وظيفة قادة الجهاد في هذه الأجواء المليئة
بالإرهاب والرعب والخيانة والإلتقاط واليأس والخمول والشك والحيرة، صعبة وحسّاسة
جداً.
فوجوب توعية
الجماهير بمجريات الأحداث بالصورة التي لا يستغلها النظام لصالحه، وإرشاد الناس
وتشجيعهم كان أمراً عظيماً يتطلب الكثير من المهارة والحذاقة، وقد تمّ بفضل الله
والقيادة الحكيمة للإمام العزيز (رض) ووعي ودقة أصحاب الإمام ومن جملتهم سماحة آية
الله العظمى السيد الخامنئي، إدارة هذه البرهة الحسّاسة بأحسن وجه ممكن. أي أنه
تمّ من جهة تنظيم وانتخاب القوى الإسلامية الأصيلة، كما تمّ إعداد قوة أقوى بكثير
من قبل لمواصلة الجهاد ضد الشاه وذلك بعد أن تم نبذ الأفكار الالتقاطية.
ومن جهة أخرى
تمّ بيان الهدف الرئيسي من الجهاد للمجاهدين وهو إسقاط النظام دون أية مواجهة مع (
مجاهدو الشعب) ، وبدلاً من صرف قواهم لمواجهة هذه العناصر، صرفت في مواجهة العدو
الرئيسي أي نظام الشاه، ومن جهة ثالثة تمَّ بيان الأفكار الانحرافية والالتقاطية
للمنظمة بكل مهارة ودقة دون أن يستغلها النظام لصالحه، وعندما أفاق النظام من
غفلته، كان كل شيء قد انتهى وبلغ الجهاد ذروته في الأعوام( 1978 77م) . وببلوغ الكفاح ذروته وفضح
انحرافات منظمة ( مجاهدو الشعب) وشعور العلماء وكذا الشعب بلزوم إيجاد خلايا
إسلامية منظمة يترأسهاالعلماء والمتضلّعين في الفقه والسياسة بدلاً من أفراد
عاديين أو سياسيين فقط، تمّ إيجاد النواة الأولى لخلايا إسلامية منظمة بقيادة
الإمام وإشراف العلماء الثوريين في مشهد. يقول سماحته حول هذه القضية:
" عقدنا جلسة في عام 1977م مع اثنين من الأخوة وهما المرحوم
آية الله رباني الأملشي والشيخ الموحدي الكرماني، دار الحديث فيها حول أسباب عدم
وجود خلايا منظمة للمجاهدين خصوصاً بين صفوف العلماء الذين كانوا يشكّلون النسبة
العليا من المجاهدين؟ فاقترح إيجاد خلايا منظمة، وقد قيل في تلك الجلسة أن لو كان
السيد البهشتي معنا في الخلايا، كانت النتائج أفضل" .
ومن حسن
الصدفة أنّ الشهيد بهشتي والشهيد باهنر كانا بمشهد في تلك الفترة، ولهذا عقدت جلسة
بمشاركتهما، ووضع الحجر الأساس لرابطة العلماء المجاهدين في البلاد. وتعتبر
الركائز الأولى للحزب الجمهوري الإسلامي.
وبُعث خبر
هذه الرابطة الى العلماء في السجون ومن جملتهم الشيخ هاشمي رفسنجاني، وبدورهم أيّد
العلماء هذه الفكرة، وعاد الشهيد المطهري في تلك السنة من النجف حاملاً معه رسالة
من الإمام (رض) يدعو المجاهدين من ذوي السوابق الجهادية الى الاجتماع. وقد أدّت
هذه الإرتباطات والاتصالات الى تنظيم وخروج المسيرات المليونية عامي( 1978 77)، وكان دور سماحة آية الله العظمى
الخامنئي في تشكيل هذه الرابطة ملفتاً للنظر. يذكر أن السافاك لم يسمح لسماحته
بالخروج من البلاد لمدة عشر سنوات من عام 1965م.
النفي الى إيرانشهر:
في خضم هذه
النشاطات وبلوغ الثورة الإسلامية ذروتها عام( 1977م) ، أُعتقل سماحة الإمام
الخامنئي وبعد إحتجازه إياماً، حكم عليه بالنفي إلى إيرانشهر لمدة ثلاثة سنوات،
فنُفي إلى هناك، لكن النفي والمناخ الحار لهذه المدينة لم تحطّ من عزيمة رمز
الجهاد، بل إنّه استغل هذه الفرصة المتاحة له، وسعى الى توحيد صفوف المجاهدين هناك
وكذا توحيد صفوف الشيعة والسنة، فحقق نجاحات باهرة في هذا المجال.
وكان له دور
بارز في إلتفاف الناس حول الإمام والعلماء والثورة.
وقد حدث في
تلك السنة سيل في المدينة إيرانشهر أدّى إلى تدمير البيوت وإلحاق أضرار جسيمة
بالأهالي، فبالإستعانة بتجاربه السابقة في فردوس وكناباد، جنّد سماحة الإمام
الخامنئي جمعاً من طلبة العلوم الدينية وشكّل لجنة العلماء للإغاثة.
فكانت نجاحات
هذه اللجنة في مجال الإغاثة والتبليغ وتشجيع الناس قد بلغت درجة أرعبت النظام، فما
كان من السافاك إلاّ أن استدعى سماحته، فالتفت إليه رئيس السافاك وقال: لقد خاطبتُ
البارحة في جلسة لجنة الأمن الحضور
بالقول: كم أنتم غير كفوءين بحيث لم تستطيعوا عمل شيء، انظروا الى هذا المنفيَّ
الى هنا ماذا فعل بالأوضاع؟وطالت فترة النفي حتى سنة( 1978م) ، وبلغت الثورة
ذروتها هذا العام فخرجت الأوضاع من سيطرة النظام، لهذا عاد سماحة آية الله
الخامنئي الى مشهد وزاول نشاطه مستمراً في جهاده أكثر من ذي قبل.
مجلس قيادة الثورة:
من المسلّم
أن مجلس قيادة الثورة يعتبر من أهم الأركان التي كان لها دور رئيسي في انتصار
الثورة وإدارتها بعد منصب القيادة، يقول الشهيد بهشتي حول هذا الأمر:
" لقد كانت النواة الأولى لمجلس القيادة الذي صادق عليه
الإمام متكونة من الشيخ الهاشمي الرفسنجاني والشيخ المطهري وأنا والسيد الموسوي
الأردبيلي والدكتور باهنر، فكانت تتكوّن منّا نحن الخمسة" .
ويقول الشيخ
الرفسنجاني:
" لقد عيّن الإمام وهو في باريس ستة أشخاص ليجتمعوا ويديروا
الحكومة القادمة... فكنت أحدهم، والشهيد المطهري الذي كان يحمل تلك الرسالة،
والشهيد البهشتي، والسيد الموسوي الأردبيلي وباهنر، ثم إلتحق بنا السيد علي
الخامنئي الذي كان في مشهد آنذاك" .
ويقول سماحة
آية الله العظمى الخامنئي حول هذا الموضوع:
" كنت في مشهد منهمكاً بإدارة شؤون هذه المدينة مع الأخوة
الذين كان لهم دور في أحداث مشهد العظيمة، فاتّصل الشهيد المطهري بي عدة مرات
تلفونياً سواء بصورة مباشرة أو بالواسطة لأذهب الى طهران، وكنت أتصوّر أنه لأجل
الأعمال العادية التي نقوم بها حيث
كانت لدينانشاطات مشتركة سواء علمية أو عقائدية أو سياسية يطلب مني الذهاب الى طهران، ولم أكن
أتصوّر أنّه لأجل مجلس قيادة الثورة، فكنت أقول: سوف آتي، لكن لكثرة أعمالي في
مشهد وثقل مسؤوليتي كُنت أُؤجل سفري في كل مرة، الى أن أخبروني من باريس أن الإمام
يأمرني بالذهاب الى طهران، فشعرت أنّ هناك أمراً يجب الذهاب من أجله الى طهران
خصوصاً بعد أن اتّصل بي المطهري وأبلغني الرسالة بغضب وقال: لماذا لا أذهب الى
طهران وماذا أنتظر؟
وفي طهران
قيل لي أنه يجب أن أشارك في جلسة تعقد بمنزل الشهيد المطهري، واجتمع أعضاء مجلس
الثورة، حيث لم أكن أعلم بذلك حتى ذلك الوقت" .
وبمقتضى
المصلحة، فقد انضمّ الى المجلس فيما بعد أعضاء جدد، كان بعضهم ذا ميول واتجاهات
سياسية أخرى، وقد كُشِفَ النقاب عن وجوههم بالتدريج، لكن هؤلاء الأخوة كانوا
الأساس والأركان للثورة والحرّاس لمبادئها وأهدافها، وقد تحمّلوا لأجل الثورة
ومصالح الأمة الإسلامية مصاعب العمل مع الليبراليين ومع شخص كبني صدر، واستطاعوا
بجهودهم ومقاومتهم ومساعيهم المشتركة من تنظيم الأمور وحراسة مبادىء وقيم الثورة.
لجنة استقبال الإمام:
لقد كانت
الجماعات التي تعمل تحت إشراف الشهيد المظلوم آية الله بهشتي والشهيد آية الله
المطهري والشهيد باهنر وأمثالهم هي النواة لجميع المسيرات والمظاهرات في الأعوام(
1978 1977م) بطهران، أمّا في المدن
الأخرى فكن العلماء أمثال الشهيد آية الله الصدوقي، والشهيد آية الله دستغيب
وأمثالهم، النوى الرئيسية لهذه المسيرات وعلى ارتباط دائم بالنواة المركزية في
العاصمة.
وأمّا في
محافظة خراسان، فكان سماحة آية الله العظمى الخامنئي الأكثر ظهوراً في مركز
المظاهرات والمسيرات بين سائر العلماء. فكانت نتيجة هذه المظاهرات والمسيرات هي
فرار الشاه وعودة الإمام الخميني الراحل (رض) إلى أرض الوطن وإقامة أول حكومة
إسلامية بعد الحكومة النبوية والعلوية.
مع عودة
الإمام (رض) المظفرة الى أرض الوطن، شُكّلت لجان مختلفة في مدرستي رفاه وعلوي أو
نُظّمت تلك التي كانت موجودة من قبل بصورة أفضل. وشُكّلت لجنة لاستقبال الإمام
(رض) كان مركزها ( مدرسه رفاه) .
وتحمّل سماحة
آية الله العظمى الخامنئي مسؤولية الإعلام في مكتب الإمام (رض) واستطاع بسعة صدره
من القيام بالمهام الموكلة إليه على أحسن وجه رغم كلّ المشاق والصعاب التي كانت
تعترض طريقه. فكانت كل هذه المهام من سدّ حاجة المناطق الى المبلّغين وإلى الدعم
التبليغي والإعلامي بالإضافة الى استقال الذين جاؤوا لزيارة الإمام (رض) وبرمجة
اللقاءات وتنظيم أخبارها وتقديمها الى وسائل الإعلام لبثّها ونشرها، ومواجهة
المؤامرات الإعلامية سواء من العناصر الموالية للاستكبار أو من العناصر الوطنية
المنافقة وخصوصاً مواجهة المجموعات الانتهازية التي أرادت فرض نفسها على الشعب تحت
غطاء أصحاب الثورة الحقيقيين.
المؤامرة الشيوعية:
ومن بين كل
تلك الحوادث وقعت حادثة بالغة الأهمية وهي المؤامرة الشيوعية التي تم إحباطها
بهمّة ومساعي هذا العالم الشجاع والمضحّي سماحة آية الله العظمى الخامنئي، وإليكم
الحادثة بالتفصيل:
في الأيام
الأخيرة من حياة النظام الطاغوتي، بدأت العناصر الشيوعية بإنتهاز الفرصة وتنظيم
عناصرها لتبديل الثورة الإسلامية الى ثورة ديمقراطية شعبية ( حسب تعبيرهم) ،
وانتخبوا مصانع جنرال موتورز على الطريق العام المؤدي الى كرج كأفضل مكان لتنفيذ
مخططهم، لأنه إضافة الى بعدها عن طهران التي كانت مركزاً للإسلاميين والمؤمنين،
يمكنهم هناك من جمع وتنظيم العناصر الشيوعية والعناصر المناوئة للثورة بعيداً عن
الأنظار، ثم يقومون بهجوم خاطف على طهران واحتلال المراكز الحسّاسة فيها، حيث
يُقيمون حكومة شيوعية حسب تصورهم.
إن مثل هذه
المؤامرات وإن كانت لا يُجنى من ورائها شيء، لكن بما أنها كانت في الأيام
الحسّاسة أي من 19 الى 22 بهمن، كان بإمكانها أن تكون أفضل دعم للنظام البائد
وتؤخر نجاح وانتصار الشعب وتعطي الاستكبار فرصة أخرى لتمرير خططه.فاستطاعت هذه
العناصر من حشد خمسمائة من الجامعيين والموظفين وآخرين ذوي ميول شيوعية هناك،
بإلقاء خطابات مثيرة ونشر إعلانات في نشراتهم الخاصة ودعوة القوى الديمقراطية
والشعبية ( حسب تعبيرهم) بالإنضمام الى هذا التحرك الثوري.
وعندما بلغ
النبأ وحدة الإعلام في مكتب الإمام (رض) ، بعث سماحة الله آية الله العظمى
الخامنئي جمعاً من العلماء ومعهم الشهيد ديالمه ( من شهداء 7 تير) إلى هناك، لكنهم
لم يستطيعوا عمل شيء، فتوجه سماحته بنفسه مرتين إلى هناك، وفي المرة الثانية
تحرّك ظهراً بسيارتهحتى وصل الى المصنع، وألقى خطاباً قصيراً ثم عاد.
لكن في اليوم
العشرين من بهمن بلغت القضية مرحلة خطيرة، حيث اجتمع خمسمائة من العناصر الشيوعية
ومعهم ثمانمائة من العمال وبدأوا بتجهيز أنفسهم بصورة كاملة، وخيف أن يستلّحوا
ويُشَعلوا حرباً أهلية في المراحل النهائية من الجهاد ضد الشاه، فمثل هذه الخيانات
ليست غريبة على الشيوعيين، لهذا جاء الشهيد ديالمه إلى وحدة الإعلام في مكتب
الإمام قلقاً وقال: إنّ الوضع خطير، لذا يجب تدبر الأمر، ويجب أن يذهب من هو أهل
إلى هناك. فتحمّل سماحة آية الله العظمى الخامنئي هذه المسؤولية وتوجّه سريعاً الى
المصنع، وأُرسلت مجموعة من شباب حزب الله من مدرسة رفاه الى هناك لدعمه، وعندما
وصل سماحته إلى المصنع عصراً وقف على المِنَصة بكل جرأة، حيث ألقى كلمة وبدأ
بالردّ على الأسئلة، واستطاع بذلك من إدانة الشيوعيين بشدة، ولهذا قاموا بترديد
الأناشيد الشيوعية بصورة جماعية ورفع أيديهم فوق رؤوسهم والتصفيق ليخلّصوا أنفسهم
من هذه المشكلة. لكن سماحته لم يترك المنصة واستمر في خطابه.
ولما رأى
الشيوعيون أن الأوضاع ليست في صالحهم، قطعوا التيار الكهربائي لكي لا يصل الى
أسماع العمال فيدركوا الحقائق، لكن سماحة آية الله العظمى الخامنئي سلّم مكبّر
الصوت لأحد زملائه ورفع صوته في الظلام ونادى مخاطباً العمال: لا تقلقوا، وتوجهوا
الى كلامي، فلا شيء هناك. ثم بدأ بالنقل على الطاولات، يقف عند كل طاولة ويبدأ
بترديد الشعارات وبالتكلّم وتوعية العمال وإثارتهم ضد الشيوعيين، ثم قال: على أية
حال، سوف نصلي الجماعة. فبدأ الشيوعيون بمجادلته، سأله طالب جامعي لبس بدلة العمال باسم أحد العمال، فقال له سماحته: أني
بطاقتك فانكشفت القضية، وفضح سماحته عدداً آخر بنفس الكيفية. ثم فكّر في فصل العمال الذين كان أكثرهم من المسلمين وذوي عقائد
دينية عن الشيوعيين، وأفضل طريقة
لذلك هي صلاة الجماعة، فأعلن أنّ على كل مسلم مصلّ أن يتواجد في ساحة المصنع
للصلاة جماعة، وفي النهاية أقيمت صلاة الجماعة، فأعلن أنّ على كل مسلم مصلّ أن
يتواجد في ساحة المصنع للصلاة جماعة، وفي النهاية أقيمت صلاة الجماعة بإمامته في
الساعة( 8.30 مساءً) ساعتان بعد
المغرب تقريباً في ساحة المصنع،
وحضر العمال للصلاة وبقي الشيوعيون في صالة المصنع، فكان لصوته البليغ والشجي
الأثر الكبير في نفوس العمال. ثم استغل سماحته هذه الفرصة فدعا العمال الى المسجد،
فذهب الجميع الى هناك، وشكّلوا تجمّعاً بمساعدة شباب حزب الله الذين قدموا من
مدرسة رفاه، وثاروا ضد الشيوعيين بإرشاد وتوجيه من سماحته، وفي اليوم التالي تمّ
طرد الشيوعيين من المصنع، وبذلك أحبطت مؤامرة كبرى كادت تشعل حرباً أهلية في لحظات
الإنتصار ولذلك بذكاء وتضحية الإمام الخامنئي.
والنكتة
المهمة في هذه الحادثة: هي أن سماحته بقي واقفاً في تلك الليلة على قدميه لمدة سبع
ساعات وهو يخطب ويتكلم وواصل نشاطه الى الصباح حتى تمكّن من دفع هذا الخطر.
بثّ أول مقال من الإذاعة الإسلامية:
إن من
الأعمال الحسنة التي أقدمت عليها وحدة الإعلام في مكتب الإمام هي إصدار نشرة باسم
( الإمام) وذلك بمناسبة ذكرى إقامة الإمام (رض) بطهران، وقد كتب سماحة آية الله
العظمى الخامنئي عدة مقالات في هذه النشرة، والشيء الجميل هو أنّه بعد سقوط
الإذاعة بأيدي الشعب ي 22 بهمن، كان المقال الذي كتبه سماحته بقلمه تحت عنوان (
بعد الانتصار الأول) هو أول مقال إسلامي يُقرأ في الإذاعة.
حادثة الإغتيال:
تعرض سماحة
آية الله العظمى الخامنئي بتاريخ 1981
6 27م لمحاولة اغتيال نفّذها
المنافقون، وذلك أثناء إلقائه خطاباً في مسجد " أبو ذر" جنوبيَّ طهران.
فأصيب سماحته
نتيجة المحاولة عدة إصابات نقل على إثرها الى المستشفى، ولكن أبى الله إلاّ أن
يُتمّ نوره وحفظ وجوده المبارك لخدمة الإسلام والمسلمين، فعاد سريعاً لمزاولة
نشاطه والقيام بوظيفته بعد أن تماثل للشفاء.
يقول سماحته
حول هذه الحادثة:
" أنا من تلك اللحظة ( لحظة إصابته) أحسست أنّ الله يريدني
لمهمة كبيرة وقد أعددت نفسي لها، وبطبيعة الحال في ذلك اليوم لم أكن لأحدس ما هي
هذه المهمة؟ ولكنّي أيقنت أنّ عليّ الاستعداد لتحمّل ثقل كبير في سبيل الله ومن
أجل الثورة وفي خدمتكم أنتم أيّها الناس" .
وعلى إثر
محاولة الاغتيال، أبرق إليه الإمام الخميني
قدس سره كلمة جاء فيها:
" والآن وبعد أن قام أعداء الثورة بالاعتداء عليكم وأنتم من ذرية الرسول الأكرم ومن آل بيت
الحسين بن علي، ولم تقترف ذنباً سوى خدمة الإسلام والوطن الإسلامي، ولم ينتقموا
منك إلاّ لأنك جندي مستبسل في جبهة الحرب، ومعلم في المحراب وخطيب مُفوّه في صلاة
الجمعة والجماعة ومرشد مخلص في ميادين الثورة فإنهم برهنوا على مستوى تفكيرهم السياسي ومدى دعمهم للشعب
ومخالفتهم للظالمين.
لقد جرح
هؤلاء باعتدائهم عليك مشاعر الملايين من المؤمنين في شتى أنحاء
العالم.
إنّ هؤلاء
المحرومين من الرؤية السياسية الى درجة أقدموا على هذه الجريمة بعد خطابكم في مجلس
الشورى وفي صلاة الجمعة وفي الجماهير الشعبية مباشرة، واعتدوا على شخص كانت دعوته
الى تحقيق الصلاح والسداد تدوّي في آذان مسلمي العالم.
إنّ
هؤلاء وبعلمهم اللاإنساني هذا وبدلاً من أن يستفزّوا ويرعبوا الشعب،
زادوا من عزم المسلمين وجعلوا صفوفهم أكثر تراصاً. ألم يحن الوقت بوقوع هذه الأعمال الوحشية والجرائم
الحمقاء كي يتخلص شبابنا الأعزاء
المخدوعون من أفخاخ خيانة هؤلاء، ويمنع الآباء والأمهات شبّانهم الأعزاء من أن
يصبحوا قرابين لأهواء الجُناة، ويحذروا أبناءهم من المشاركة في جرائمهم؟ ألا
يعلمون أنّ القيام بهذه الجرائم سيجرّ أبناءهم الى الضياع والإنحطاط وسيخسرون
أبناءهم باتباعهم شرذمة من الفسدة الجناة؟
إننا نفخر
عند ساحة الباري تعالى ووليّه بقية الله ( أرواحنا فداه) بجنود لنا في الجبهة
وخلفها يقضون الليل في محراب العبادة والنهار بالجهاد في سبيله. إنني أهنئك أيّها
الخامنئي العزيز على خدمتك لهذا الشعب المظلوم في جبهات الحرب بملابس القتال وخلف
الجبهة بالزي العلمائي، وأسأل الله أن يعطيك السلامة لتمضي في خدمة الإسلام
والمسلمين" .
كما أبرق
رئيس مجلس القضاء الأعلى آية الله محمد الحسيني بهشتي قبل استشهاده بساعات
مخاطباً آية الله العظمى الخامنئي في المستشفى قائلاً:
" إنّ المحاولة الفاشلة لأعداء الإسلام والثورة والوطن
الإسلامي في اغتيال ذلك الأخ، أثبتت مرة أخرى أن أعداء الإسلام والشعب الألدّاء لم
يألوا جهداً في ارتكاب أية جريمة تحقيقاً لأهدافهم المشؤومة، إنّ أعمالهم الوحشية
هذه ستُفَجَّر غضب الشعب الثائر ضد الذين باعوا أنفسهم للآخرين وستعزلهم أعمالهم
عن المجتمع أكثر يوماً بعد يوم.
أسأل المتعال
أن يُمنَّ بالسلامة على الأخ العزيز والمجاهد بأسرع وقت ليستمر في جهاده في خندق
الإسلام" .
والسلام
عليكم ورحمة الله وبركاته
السيد محمد
الحسيني بهشتيفر
وقد أبرق سماحة آية الله العظمى الخامنئي دام ظله من جانبه جواباً الى الإمام (رض)
هذا نصّه:
سيدي ومقتداي
سماحة آية الله العظمى الإمام الخميني روحي لك الفداء.
سلام الله
وسلام عباده الصالحين عليك
مرة أخرى
يشملني الله سبحانه وتعالى برحمته الواسعة، فأجدُ نفسي مغمورة بالألطاف الربانية
الخفية والعلنية، أسأل الله العلي القدير أن يوفقني لحمده وشكره على ألطافه
ونعمائه ما دمتُ حيّاً، كما أني مؤمن بأن لدعائكم ومناجاتكم الأثر الأكبر في نجاتي
من كيد المنافقين والظالمين، حفظكم الله ذخراً وملاذاً للإسلام والمسلمين آمين رب
العالمين.
لقد أعدّ
المؤمنون أنفسهم للشهادة في سبيل الله باذلين أرواحهم ومتاعهم اليسير، فالمؤمنون
منه وإليه، ذلك نهج تعلّمه المؤمنون في مدرستكم وذاك كأس شربوه من معين كوثركم.
لقد علّمتنا
أيها الإمام أن نعز الإسلام ونغذّيه بمهجنا حتى يتحقق ويثمر وتثمر معه شجرة النبي
وآله الأطهار وحتى يختلط زلال الكوثر بدماء الشهداء والصدّيقين، فلا نبالي
بالمصائب والويلات في هذا السبيل وكل ما نخشاه أن نُحرَم فلا نُوَفق إلى الحياة
الأبدية ونعيمها الأزلي.
نشكر الله
ونحمده بشمول آل يزيد وعبيد الله بلعنة الله وملائكته في الآخرة وبالخزي والعار في
الدنيا، في حين يحتل الحسين عليه السلام وآله الطيبون وأصحابه قلب التاريخ البشري
وصميم الإنسانية.
ولي وطيد
الأمل أن يستفيد المارقة والقاسطة والناكثة المعاصرون في إيراننا العزيز من
التاريخ فيعودوا الى الإسلام ويتفيّئوا بظلاله ويتعاونوا في بعث الإسلام من جديد
وجني ثماره الطيبة.
وأنا الذي
أعتبر نفسي جُندياً بسيطاً من جُند الله بل وقطرة في بحر حزب الله الهائج مستعد
لأقارع الأعداء والمنافقين إلى آخر قطرة من دمي، وسأجعل من ( إنّ صلاتي ونُسُكي
ومحيايَ ومماتي لله رب العالمين) شعاراً بل أنشودة أنشدها في كل يوم بل وفي كل
لحظة.
وختاماً أسأل
الله تعالى دوام الصحة والسلام لشخصكم الكريم، فيطيل عمركم الشريف ويجعلكم ذخراً
للثورة الإسلامية في إيران وملاذاً لكل المسلمين والمستضعفين في العالم آمين رب
العالمين.
ابنكم السيد
علي الخامنئي
صلاة الجمعة التاريخية:
تُعتَبر
خطابات سماحة آية الله العظمى الخامنئي في صلاة الجمعة بطهران، دائرة معارف
إسلامية وسياسية بحق،... نظراً لما تحويها من معارف اسلامية وتحليلات سياسية
وإرشادات ونصائح إجتماعية وأخلاقية. لكن المهم من بين كل تلك الخطابات هي الخطبة
الاستثنائية والملحمة التاريخية التي لا تُنسى أبداً، حيث وقع إنفجار بين صفوف
المصلين هزّ مركز صلاة الجمعة، سقط بسببه العشرات بين قتيل وجريح، وفي الوقت نفسه
كانت طائرات الاستكبار تهدد بقصف موقع صلاة الجمعة حيث كانت قد قصفت طهران صبيحة
ذلك اليوم، وما أحدثته المضادات الجوية من ضوضاء وضجّة. لكن وبالرغم من كُلِّ ذلك
تمكن خطيب الجمعة سماحة آية الله العظمى الخامنئي بعناية تامة من الله وبقدرته
المعنوية وسكينته القلبية من تهدئة الأوضاع والاستمرار في خطبته بكل قوة وصلابة
وبقيت الصفوف منظمة والمصلّون في أماكنهم، ثم أدّى سماحته الصلاة بطمأنينة وخشوع
خاصين أثار إعجاب الأعداء فضلاً عن الأصدقاء.
وقد أشار
الإمام الراحل قدس سره في بيانه بمناسبة رأس السنة الهجرية
الشمسية حيث قال:
" إني لا أنسى قضية يوم الجمعة كيف مضت بعظمة ونورانية وصمود
وتلك الطمأنينة، رغم أصوات المدافع المضادة للجو وذلك الضجيج. إنّني كُنت ألاحظ
وأنظر وبالأخص إلى الناس لأرى ما يحدث بينهم، فلم أر حتى شخصاً واحداً قد تزلزل،
وفي الوقت نفسه كان إمام الجمعة يخطب بذلك الصوت الجهوري والناس يستمعون إليه،
بتلك الكيفية وهم يهتفون: إننا مستعدون للشهادة" .
الفصل الرابع: مسؤولياته بعد إنتصاره
مهمة الى
محافظة سيستان وبلوشستان:
أُرسل في
فروردين( 1979م) من قبل الإمام (رض) في مهمة الى محافظة سيستان وبلوشستان لمتابعة
ومعالجة الأوضاع هناك، وتمكن من تقديم خدمات قيّمة لأهالي تلك المحافظة المحرومة.
وكيل وزارة الدفاع:
عُيّن سماحته
عضواً في مجلس الدفاع ممثلاً عن مجلس قيادة الثورة عام 1979م، ثم عُيّن في العام
نفسه وكيلاً لوزارة الدفاع، وقد أدّى خدمات جليلة في المسؤوليات التي أُوكلت إليه،
ومنها ما نسمعه على لسانه:
" لقد وصلت الحكومة المؤقّتة الى هذه النتيجة وهي أنها لا
فائدة من مقارعة أميركا الدولة الغنيّة والمقتدرة والتي لا تتدخل في شؤوننا. هكذا
كان تفكير الحكومة المؤقتة، ومن نتائج هذا التفكير بقاء مجموعة من الأميركيان
القوة الجوية لفترة طويلة دون أن نعلم ذلك. بعدها كانت إحدى القضايا التي طرحت في
مجلس الدفاع الأعلى حيث كنت عضواً
فيه ومهدي بازركان رئيساً هي اقتراح
للأميركيين المستقرّين في القوة الجوية يقضي بتبديل اسم مكتب المستشارية العسكرية
من اليوم فصاعداً، والعاملون ليسوا مستشارين عسكريين، ويجب إختيار تسمية جديدة
للمكتب، واقترحوا أربعة أسماء..." .
غضب سماحة
آية الله الخامنئي ( دام ظله ) لهذا الموضوع غضباً شديداً، فما استطاعت الحكومة
المؤقتة تمرير خطتها في إبقاء الأميركيين مع تغيير صفتهم فقط.
قيادة حرس الثورة:
في 1979 2
1م أصبح قائداً لحرس الثورة الإسلامية إثر وقوع بعض الخلافات بين صفوف
الحرس لم يتمكن أحد من حلّها، فاستطاع سماحته بعد تسلّمه المسؤولية من حلّ المشاكل.
وفي عام(
1980م) أصبح ممثلاً عن الإمام الخميني
قدس سره في مجلس الدفاع
الأعلى.
إمام جمعة طهران:
بعد رحيل آية
الله الطالقاني عام 1980م، أصدر الإمام الخميني قدس سره حكماً
عيَّن بموجبه سماحة آية الله العظمى الخامنئي إماماً لجمعة طهران، وجاء في جانب من
بيان الإمام (رض) :
" نظراً لماضيكم المشرّف وأهليتكم علماً وعملاً، فقد تقرر
تعيين سماحتكم إماماً لصلاة الجمعة في طهران" .
عضوية مجلس
الشورى الإسلامي:
مع بدء
انتخابات الثورة الأولى لمجلس الشورى الإسلامي رُشّح سماحته عن مدينة طهران من قبل
الإئتلاف الكبير المكوّن من رابطة العلماء المجاهدين في طهران والحزب الجمهورية
الإسلامي ومنظمة مجاهدي الثورة الإسلامية، وبعض الجمعيات والمنظمات والجماعات
الإسلامية الأخرى، واستطاع دخول المجلس بإحراز الأكثرية الساحقة للأصوات(
1.400.000 رأي) .
وفي عام
1980م انتخب ممثلاً للإمام الخميني
قدس سره في مجلس الدفاع
الأعلى.
رئاسة الجمهورية:
بعد استشهاد
الشهيدين رجائي وباهنر، رُشّح سماحته من قبل العلماء وسائر المؤسسات الثورية
لرئاسة الجمهورية، وانتُخب في 1981/10/5م ثالث رئيس للجمهورية الإسلامية بعد حصوله
على أكثرية ساحقة من الأصوات، وتسلّم رئاسة الجمهورية في وقت كانت ظروف البلاد
حسّاسة وخطيرة.
فاستشهاد 72
من النخبة المؤمنة واستشهاد رجائي وباهنر في انفجار مقر رئاسة الوزراء والانفجارات
والاغتيالات المتوالية والآثار السيئة التي تركتها رئاسة بني صدر على الجمهورية
والمشكلات الناجمة عن احتلال جزء من الوطن الإسلامي من قبل البعثيين والحصار
الاقتصادي، اجتمعت كلها فخلقت ظروفاً صعبة ومعقدة.
لكن تم بعون الله وبالقيادة الحكيمة للإمام
الراحل (رض) والجهود المخلصة للمسؤولين وفي مقدمتهم رئيس الجمهورية سماحة آية الله
العظمى الخامنئي وعزيمة وتضحية أبناء الشعب
التغلّب على الكثير من المشاكل، فخرجت البلاد بعد ثمان سنوات من رئاسة
سماحته للجمهورية مرفوعة الرأس
ومقتدرة وثابتة.
يُذَكر أن
سماحة الامام الخامنئي قد شغل المناصب التالية أيضاً:
رئاسة مجلس تشخيص مصلحة النظام.
رئاسة مجلس الثورة الثقافية.
رئاسة مؤتمر أئمة الجمعة والجماعات.
الأمانة العامة لحزب الجمهورية الإسلامية
( قبل تجميده) .
شغل منصب النائب الأول لرئيس مجلس الخبراء
ومجلس إعادة النظر في الدستور.
قيادته:
لقد أكّد
سماحة الإمام قدس سره مراراً على أهلية سماحة آية الله العظمى
الخامنئي للقيادة، وفي ذلك ينقل حجة الإسلام والمسلمين الشيخ الهاشمي الرفسنجاني:
خلال
اجتماعنا مع سماحة الإمام (رض) وبحضور رؤساء القوى الثلاث والسيد رئيس الوزراء
والحاج السيد أحمد، تمّ مناقشة هذا الموضوع، وقد كان كلامنا مع الإمام (رض) هو
أنّه إذا وقعت هذه القضية ( وفاة الإمام) ، فسوف نواجه مشكلة دستورية، لأنه لا
يمكن أن يطرأ فراغ في القيادة، فقال الإمام: سوف لن يطرأ فراغ في القيادة، وعندكم
القائد. فقيل: ومن هو؟ قال الإمام بحضور آية الله الخامنئي: " إنه السيد
الخامنئي" .
وقد ذهبت
يوماً بصورة خاصة الى الإمام (رض) ، فقد كانت لي بعض الجرأة لأطرح القضايا كما هي،
فتحدثت معه حول خلافة القائد والمشاكل التي قد تطرأ، فردّ الإمام بكل صراحة "
إنكم لن تواجهوا طريقاً مسدوداً، ومثل هذا الشخص ( آية الله الخامنئي) بين
ظهرانيكم، فلماذا تجهلون ذلك" .
ويقول السيد
أحمد، عندما سافر آية الله العظمى الخامنئي الى كوريا، كان الإمام يتابع وقائع
الزيارة من على شاشة التلفزيون، وقد أثار اهتمامه كثيراً ذلك الاستقبال الذي أقامه
الشعب الكوري وأحاديث ومباحثات السيد الخامنئي في تلك الزيارة وقال: " حقاً
إنه جدير بالقيادة" .
ويبدو أن
خطاب الإمام دام ظله لسماحة آية الله
العظمى الخامنئي " إنّني أضطرب جداً عندما تسافر حتى تعود، فلا تُكثر من
السفر" هو من الإلهام الإلهي
والغيبي.
وبرحيل
الإمام الخميني العظيم ( قدس سره الشريف) في الساعة 10.20 من مساء يوم السبت 3
حزيران 1989م، عقد مجلس الخبراء في صباح اليوم التالي جلسة طارئة بحضور جميع
الأعضاء، ولم تمض عشرون ساعة على الجلسة حتى تمت مبايعة آية الله العظمى الخامنئي
( دام ظله ) ولياً لأمر المسلمين وقائداً للثورة الإسلامية ب) 60( صوتاً مؤيداً من مجموع( 74) خبيراً حضروا الاجتماع.
وقد أصدر
مجلس الخبراء في ختام اجتماعه الطارىء بياناً تاريخياً مهماً هذا نصه:بسم الله
الرحمن الرحيم
" بعد تقديم مجلس الخبراء التعازي برحيل إمام الأمة وقائد
الجمهورية الإسلامية في إيران ومؤسسها، ومع الإدراك العميق لمسؤوليته التأريخية،
بالنظر للموقع الرفيع والحساس لمنصب القيادة في نظام الجمهورية الإسلامية في
إيران، ومع الاهتمام البالغ الذي أولاه سماحة إمام الأمة ومؤسس الجمهورية
الإسلامية في إيران ( رضوان الله تعالى عليه) في نداءاته وبياناته المتكررة، وخاصة
أوامره وإرشاداته بشأن القيادة، وبالنظر للأسس المتعلقة بالدستور، ومع الاحساس
الكامل بمؤامرات الخناسين وأعداء الإسلام في الداخل والخارج تجاه مستقبل النظام
الإسلامي المقدس، ومن أجل الاستعداد اللازم لمواجهة أية حادثة، وبالنظر للظروف
الداخلية والخارجية، وباستلهام المضامين الربانية الرفيعة لوصية سماحة إمام الأمة
الإلهية السياسية المهمة جداً، فإنه
( أي: مجلس الخبراء) انتخب في اجتماعه الطارىء، المنعقد بتاريخ 68 3 14ه.ش سماحة آية الله السيد علي
الخامنئي لقيادة نظام الجمهورية الإسلامية في إيران بأكثرية أربعة أخماس الأعضاء
الحاضرين، 60 صوتاً مؤيداً من 74 عضواً حاضراً" .
ويقول آية
الله بني فضل عضو مجلس الخبراء وأحد كبار علماء قم، بأن الأربعة عشر خبيراً الذين
لم يُصوِّتوا لصالح آية الله العظمى الخامنئي، لم يكن لديهم أدنى تحفظ على قيادته،
بل كانوا يعتقدون بأرجحية القيادة الجماعية والتي يكون آية الله العظمى الخامنئي
على رأسها.
واستطاع خلال
الأعوام الماضية من قيادته الحكيمة تسيير دفّة الثورة والسير بها على نهج الإمام
الراحل (رض) وعلى خطه الإسلامي الأصيل؛ لأنه ابن الإمام البار وتلميذه وأحد أقرب
أصحابه، ولأنه هو القائل " إن الخطوط الرئيسة للثورة هي تلك التي رسمها
الإمام، أمّا الأعداء السُذّج الطامعون ذوو القلوب العمياء والذين ظنّوا أنه برحيل
الإمام، يبدأ عصر جديد بمعالم جديدة متميزة عن عصر الإمام الخميني ( قدس سره) فهم
مخطئون.
إنّ الإمام
الخميني حقيقة حية دائماً، اسمه لواء هذه الثورة، وطريقه طريق هذه الثورة وأهدافه
أهداف هذه الثورة" .
سجاياه:
إنّ الإنسان
بحاجة الى التأمل في أعمال وأقوال الشخصيات العظيمة كالأنبياء والأولياء، والتعمّق
في جوانب من حياتهم خصوصاً اليومية
مع أهلهم ومعاونيهم وتلامذتهم لتكون
مشعل هداية في حياته.
فحياة هؤلاء
العظام زاخرة بالسجايا الأخلاقية والسمات الوضاءة والسمو الروحي، والتي لا يتأتّى
لكل إنسان التعرف عليها؛ إلاّ المقرّبين من تلامذتهم.
ومن بين هذه
الشخصيات ولي أمر المسلمين سماحة آية الله العظمى الخامنئي ( دام ظله ) ، هذا
الإنسان المتكامل الجوانب، الذي تربّى على يد المعلم العظيم الإمام الراحل (
قُدِّس سره الشريف) والذي كان تجسيداً للإسلام المحمدي الأصيل. فلو تأملنا أعماله
وأقواله لأدركنا أنّها تكشف عن دافع عظيم ونيّة سامية، ولاتضح لنا عظمة روحه وسمو
مقامه، والتي جعلت منه شخصاً ممتازاً كالإمام الراحل يمكنه تجسيد خصوصيات ولي
الأمر في المجتمع بأسلوب عمله وتفكيره وأقواله.
زهده وتواضعه:
فهو الزاهد
الحقيقي الذي نبذ الدنيا ولا يشعر بدافع يشدّه نحوها، فرغم امتلاكه الإمكانات
اللازمة للوصول إليها. ورغم أن الدنيا قد فتحت له ذراعيها وتوفرت له الظروف
المناسبة للوصول الى كل ما تشتهيه نفسه من معالم الرخاء والرفاهية، لكن لا يُلاحظ
عليه أدنى تعلّق مهما صغر قدره بالأمور الدنيوية، وأيَّ انجذاب نحو
المظاهر المادية.
يقول حجة
الاسلام والمسلمين السيد علي أكبر الحسيني ممثل طهران في مجلس الشورى حول زهده
وتقواه: " حسب معرفتي القريبة بالشخصية العظيمة لسماحة آية الله العظمى
الخامنئي، فقد رأيته زاهداً حقيقياً راغباً في الآخرة، وأن الزهد والبساطة يحكمان
حياته الشخصية الى درجة لا يمكن للناس تقبل وتصديق ذلك أحياناً" .
ففي أيام
تصديه لرئاسة الجمهورية، قلت لسماحته: إنّ المشرفين على برنامج ( الأخلاق في
الأسرة) (2) يرغبون في إجراء مقابلة معكم ومع عائلتكم
لعرضها للناس من على شاشة التلفزيون
إن سمحتم بذلك فتأمّل سماحته
قليلاً ثم قال: لكن هناك مشكلة. فقلت له: وما هي؟ قال: قد لا يصدق الناس إن حياتي
الشخصية بسيطة وعادية لو عرض عليهم فيلم عن ذلك) (3).
ويقول محسن
رفيق دوست رئيس مؤسسة معوّقي الثورة الإسلامية: " إنّه لم تكن في بيت سماحته
آية الله العظمى الخامنئي ثلاجة فترة رئاسته للجمهورية، فأحضرت له ثلاجة، وبعد
فترة تعطّلت هذه الثلاجة، لكن سماحته لم يُبيِّن الى نهاية فترة رئاسته أن الثلاجة
قد تعطّلت وعاش كل هذه الفترة بدون ثلاجة" (4).
ويقول رفيق
دوست أيضاً:
" ذهبت ذات مرة الى بيته أيام رئاسته للجمهورية ، فرأيت أطفاله يتناولون في الإفطار
الجبن لكن بشهية كبيرة، فقال سماحته: لم يكن في البيت جبن منذ فترة؛ لأنّه لم يعلن
عن بطاقة التموين الخاصة بالجبن، أمّا الآن وبعد أن حصلنا على الجبن تلاحظ أن
الأطفال هكذا يتناولونه" (5).
وقال أيضاً: "
كان بيته مفروشاً ببسط حقيرة ممزّقة، فجمعناها في غيابه وقمنا
ببيعها، وأضفنا عليها مبلغاً من أموالي الشخصية واشترينا سجاداً جديداً فرشنا به
البيت، لكن عندماعاد سماحته الى البيت: قال لي: ما هذا يا محسن؟ قلت: لقد بدّلنا
البسط القديمة، قال سماحته؟ لقد أخطأتم بفعلكم هذا، اذهبوا وأعيدوا تلك البسط.
فذهبنا وبعد عناءٍ كبير عثرنا عليها وأعدناها الى بيته" (6).
رغم عظمته
وجلالة قدره وعظم منصبه إلاّ أنه كثير التواضع، ورغم كثرة مشاغله ومسؤولياته
الجسيمة إلاّ أنّه يعامل الجميع بلطف وسعة صدر.
يقول الأخ
شوشتري أحد قادة حرس الثورة الإسلامية:
" عندما كنا نرافقه في الجبهة لزيارة بعض الوحدات، كان يعامل
الجندي الذي يحرس بوابة المقر بحيث كنّا نخجل من أسلوب تعاملنا نحن القادة مع الجنود. وكذا كان تعامله مع القادة حينما تعقد جلسة بحضوره،
فمع أنه كان حازماً في اتخاذ القرارات، إلاّ أن تعامله معنا كان عاملاً مُحَفّزاً
لقيامنا بأعمالنا أفضل من ذي قبل" (7).
والأعظم من
كل ذلك هو عدم قبوله لمنصب المرجعية والإفتاء لوجود أفراد مؤهلين للتصدي لهذا
المنصب. ففي خطابه يوم مولد الإمام الجواد (ع) بتاريخ 10 رجب 1415ه وبعد أن طُرح اسمه ضمن
الأفراد المؤهلين للمرجعية، قال سماحته: إنني استثقل قبول حمل المرجعية؛ لأن
السادة ولله الحمد موجودون ويمكنهم تحمّل المسؤولية.
وكذلك عندما
أُنتخب بعد رحيل الإمام (رض) قائداً للثورة الإسلامية من قِبَل مجلس الخبراء، وكذا
انتخابه لرئاسة الجمهورية في دورتين متتاليتين.
وقد أشار
الشيخ الهاشمي الرفسنجاني في خطبة صلاة الجمعة بتاريخ 26 رجب 1415ه بهذا الصدد
مُفَنِّداً دعايات الأبواق الإستكبارية حيث قال:
" إنَّ مقام المرجعية يختلف كثيراً عن باقي المناصب، فالقائد
كان عازفاً حتى عن المناصب الدنيوية والعادية، وأنتم تأخذون بشهادتي هذه لأني كنت
أعرف القائد منذ كان شاباً وحتى يومنا هذا، وهي فترة تمتد الى( 40) عاماً مضت، فلم
ألاحظ طوال هذه المدة الطويلة أنه كان يتطلع الى الرئاسة أو الإدارة أو المناصب
وكان عازفاً عنها، وكان ينتظر الشخص الأصلح لملء هذا الفراغ.ففي أوائل الثورة كان
الجميع يقولون بوجوب انضمام رواد الثورة في مجلس الثورة، ونحن بعد الرجاء تمكّنا
من دعوة سماحة الخامنئي من مشهد حيث أشار الإمام بضمه الى عضوية مجلس الثورة أوائل
انتصارها.
وحينما كان
الحديث يدور حول رئاسة الجمهورية لا تعرفون كم تحمّلت من المشاق حتى أقنعته
بالموافقة وترشيح نفسه للرئاسة. وحينما انتهت دورة الرئاسة الأولى لم يقبل بكلامي
لترشيح نفسه للدورة الثانية، بينما كنا نُصِرّ عليه ونقول، إن البلاد بحاجة إليك،
وانتهى بنا الأمر إلى أن نتوسل بالإمام، وقال له سماحة الإمام: عليك أن تقبل...
ولم تكن من عادة الإمام أن يشير لأحد ليتولى هذا المركز أو ذاك، ثم كانت قضية
القيادة. وحينما كنا نشعر أن الإمام سيرحل عنا، كانت أمامنا مشكلة جادة لا نعرف
كيف نعالج قضية ولاية الفقيه أو فراغ القيادة، وعندما طرحنا على سماحة الخامنئي في
جماران القضية كان يعارض ليس انتخابه قائداً، وإنما حتى أن يكون عضواً في مجلس
القيادة، وبذلنا جهوداً ونحن مجموعة حتى أقنعناه بقبول عضوية مجلس القيادة على
الأقل.
وفي هذا
الشأن لدي الكثير لأقوله وليس أوانه الآن. وقد تحدثت معه كثيراً، فمنذ اليوم الأول
الذي تدهورت فيه صحة المغفور له الآراكي وحتى وفاته لم أشاهد من قائد الثورة أية
مبادرة تنم عن رغبته في تولي منصب المرجعية.
فليس في قلب
هذا الرجل غير طاعة الله والخدمة وتأدية الفريضة الإلهية" (8).
نعم لولا
المسؤولية الشرعية وعدم وجود من يتحمّل ذلك لما قِبل سماحته هذه المسؤوليات، وذلك
لشدة تواضعه. وفي ذلك يقول سماحته:
" عندما أصر الأخوة الأصدقاء على أن أرشح نفسي لرئاسة
الجمهورية؛ يشهد الله تعالى أنني رفضت ذلك من أعماق قلبي واعتذرت بشدة عن ذلك،
وامتنعت. حتى قالوا لي: إنك إذا لم تقبل فسيحدث ما هو مضر وسيء ( وذكروا أشياء
كثيرة) . أحد الأخوة الأعزاء الذي تعرفونه جميعاً وتحبوه قال لي: أفرض أنك متّ فكيف
تقف بين يدي الله بتركك لهذه المسؤولية والمهمة الإلهية. لقد هزني هذا الكلام
وشعرت بالخوف. وقبلت هذا الأمر في سبيل الله تعالى" .
" عندما كنّا في مجلس قيادة الثورة كنا ننمّي أنفسنا مراراً
بأن مرحلة الثورة ستنتهي قريباً. وتتشكل الدولة ومجلس الشورى مجلس القيادة، فنرتاح
ونرجع الى التدريس مجدداً حيث البحث وتفسير القرآن ونهج البلاغة، لقد وعدت الشباب
حينها بأنني إن شاء الله بعد عدة أشهر وعندما ينتهي عمل مجلس
القيادة سأبدأ معهم بدروس حول نهج البلاغة.
لقد كانت
مطلبنا هذه الأعمال. ولكن الضرورات هي التي أجبرتنا على حمل المسؤولية. لقد أرادت
الثورة ذلك منا ونحن لبيّنا" .
" إذا قيل للخامنئي أن وجودك في مكان تنظيم الأحذية في
الحسينية الفلانية أكثر فائدة من رئاسة الجمهورية، فسأذهب الى هذا العمل مباشرة.
فاعلموا جيداً أنني لو وجدت عملاً أعمل فيه بمجهولية تامة ( لا أحد يعرفني) ويكون
وجودي فيه أكثر فائدة للإسلام من المسؤولية التي أتحملها الآن، فإنني والله لن أتردد لحظة واحدة. إنني إذا أدركت ذلك سأقوم بهذا العمل
فوراً" .
" بعد رحيل الإمام (رض) وفي اليوم الذي اجتمع فيه مجلس
الخبراء. كنت عضواً في ذلك المجلس. وعندها طرح اسمي للبحث والتداول. واتفقوا على
انتخاب هذا الموجود القليل الضعيف لهذا المنصب الخطير. فاعترضت بقوة دون أية
مجاملة. والله وحده يعلم ماذا كان يحصل في قلبي في تلك اللحظات. لقد وقفت حينها
وقلت لهم: " أيها السادة تريثوا، أعطوني فرصة وكل هذا موجود قد سجل بالصوت والصورة وبدأت أستدل على عدم انتخابي لهذا
المقام. ومهما أصررت عليهم لم يقبلوا، بل بدأوا بتفنيد استدلالاتي. لقد كنت قاطعاً
في عدم قبولي، ولكنني بعد ذلك رأيت أنه لا مناص. فقد تعين الأمر علي. أي أنني إن
لم أتقبل هذا الحمل فسيبقى على الأرض. ولو وجد شخص آخر هناك، أو كنت أعرف من يمكنه
حمله ويرضى به الآخرون، فإنني باليقين لم أكن لا أقبل أن أحمله على عاتقي. ثم قلت:
ربنا عليك توكلنا، وقد أعانني الله الى يومنا هذا.
ومن قبل حصل
نفس الشي. لقد تم انتخابي لرئاسة الجمهورية مرتين.
وفي الدورتين
لم أكن أريد. ففي انتخابات الدورة الأولى كنت خارجاً لتوي من المستشفى (9)،
لكن الزملاء قالوا:
إن لم تقبل،
فإن الحمل سيبقى مطروحاً على الأرض. ولا أحد ينهض به.
فاضطررت
لقبول ذلك. وأما في الدورة الثانية، فقد قال الإمام لي: إن الأمر متعين عليك. وكنت
قد ذهبت إليه قائلاً: سيدي لا أريد، ولا أود أن أدخل الى هذا الميدان مجدداً.
وعندها أجابني بأن الأمر متعين عليك. أي أن الواجب ليس كفائياً. بل هو عيني... فإن
كان عينياً لا أرفض حمله أبداً" .
" لقد قام السادة بإعداد لائحة (10) وذكروا اسم هذا القليل فيها. ولكن لو
سألوني لقلت لهم: لا تفعلوا ذلك. فقد فعلوا كل هذا بدون اطلاعي. وقد علمت بذلك بعد
أن نشروا هذا البيان، وإلاّ لما سمحت لهم بذلك. حتى أنني اتصلت بالتلفزيون وقلت
لهم: إذا لم يكن السادة غير راضين، أرجو عندما تذيعوا هذا البيان أن لا تذكروا
اسمي. فقالوا: لا يمكن ذلك لأنه يعد تحريفاً. فالسادة قد جلسوا عدة ساعات ولم يروا
ذلك صحيحاً. ولهذا أذاعوا البيان على هذا الشكل" .
حرصه على بيت المال:
إن سماحة
الإمام الخامنئي ورغم حكومته الشرعية على الشعب وعلى الدولة مما يتيح له ذلك حرية
كبيرة في اتخاذ القرارات، لكنه لم يحاول استغلالها للوصول الى مكاسب مادية وأهداف
شخصية.
ونكتفي هنا
بعرض نموذجين في فترة رئاسته للجمهورية:
1 يقول الأخ شوشتري:
" جاء السيد ( الخامنئي) الى مقر عمليات والفجر حسناً، إن مجيء رئيس الجمهورية إلى مقر
ما مفرح ويعتبر توفيقاً في الوقت نفسه، ولهذا أراد الأخوة في المقر إبداء فرحهم،
فذهبوا لإحضار طهام الغداء وكنا في
الخيمة التي أعدّت للسيد ( الخامنئي)
ستة أشخاص...أحضروا طعام الغداء زائداً عن المعتاد، فقال السيد ( الخامنئي)
: حسناً يا فلان، بما أنكم تجاهدون وتعملون وتبذلون جهوداً، فأبدانكم تحتاج الى
طاقة، ولا أقول لكم لماذا تتناولون هذا الطعام؟ لكن هل أنّ العناصر التي تحت
إمرتكم تتناول مثل هذا الطعام أيضاً؟ فسكت الجميع.
ثم قال السيد
( الخامنئي) : طبعاً سأتناول معكم الآن لتعلموا أنني أرغب أن تعتنوا بأنفسكم، لكن
أعلموا أن لكل شيء مكان. فيقال الآن بما أنّ رئيس الجمهورية قد حضر الى هنا
فأعدّوا له كل ذلك، اذهبوا واحضروا لي الغداء الذي يتناوله الجنود ليعلموا أنني
رئيس الجمهوري تناول ملثما يتناولون ولا فرق بيني وبينهم، وإلاّ فسوف يكون حضوري
هنا فخرياً.
ثم أوصانا
بالاهتمام ببيت المال" (11).
2 والنموذج
الآخر وهو أيضاً نقلاً عن الأخ شوشتري، يقول:
" عندما كنا برفقته مع أحد حرّاسه لزيارة ( الفرقة 21)،
أوصانا السيد منذ البادية بإحضار سيارتين فقط، لكن عندما خرجنا من الأهواز، شاهدنا
عشر سيارات أخرى تتبعنا دون أن نعلم، فواصلنا مسيرنا، لكن فوجئنا حينما قال السيد
( الخامنئي) للسائق: توقّف، ثم التفت إلي وقال: اذهب وأمر السيارة الثانية وما
بعدها بالعودة الى الأهواز، إو إذا أرادوا المجيء فليذهبوا لوحدهم، ولا مبرّر لأن
يتبعونا. ثم قال أيها السيد انتبه جيداً، عندما تتحرك هذه القافلة وأنا فيها،
فستكون حجة للآخرين ليعدوا لأنفسهم مثل هذه التشريفات. فمسؤول عادي مثلي كفي أن
يحرسه إثنان بسيارة أو سيارتين فقط، وسوف نلتقي بهم هناك إن أرادوا المجيء، وإلاّ
فلماذا يأتون؟وهكذا نزلت من السيارة وقلت لهم أن السيد ( الخامنئي) يأمركم بالرجوع
من حيث أتيتم" (12).
أُنسه بالقرآن:
" على الرغم من أنّ الأساس في الحوزات العلمية هو الفقاهة،
إلاّ أنّه يجب عدم الغفلة عن علوم الأساسية الأخرى، وعلى سبيل المثال يجب أن لا
يُغفَل عن القرآن، وعلوم القرآن، وفهم القرآن والأنس به، يجب أن يكون القرآن جزءاً
من دروس الحوزات، وعلى طلابنا في الحوزات حفظ القرآن أو جزء منه على الأقل.
فالكثير من مفاهيم الإسلام من القرآن" .
" إنّني أشعر أنّ من حفظ القرآن وأنس به كان أقرب الى فهم
المعارف الاسلامية ممن لم يأنس به" .
مقطعان من
خطابات آية الله العظمى الخامنئي ( دام ظله ) الموجّه الى الحوزات يُبينان مدى
اهتمام سماحته بالقرآن الكريم.
بدأ اهتمام
السيد الخامنئي وأنسه بالقرآن منذ طفولته حيث التحق بالمدارس الدينية القديمة (
الكتاتيب) ، بعدها قام بعقد جلسات قرآنية درّس فيها زملاءه قواعد القراءة الصحيحة
وهو في الثانية عشرة من عمره الشريف. ولشدة شغفه بالقرآن لم يشغله دخول الساحة
السياسية والجهادية ضد الشاه من أوسع أبوابه وما اكتنفها من جهاد وعمل وسفر وتشريد
ومضايقة وإبعاد وسجن، إلاّ أنّ كل ذلك لم يشغله عن القرآن الكريم، فبدأ درس
التفسير لطلبة العلوم الدينية وطلبة الجامعات والشباب، وكلّما أغلق النظام أو ضيق
على درس بدأه بنشاط أكبر في مكان آخر. كل ذلك لإيمانه القلبي بأنَّ طريق الهداية
والنجاة هو بالتمسّك بالقرآن العظيم والعمل به.
وبعد تولّي
سماحته قيادة الثورة، إستطاع تحقيق آمال الإمام الراحل ( قدس الله نفسه الزكية)
القلبية، فحقّق ما لم يتسنَّ للإمام (رض) إكمال تحقيقه لظروف الثورة وما أحاط بها
من مؤامرات استكبارية عالمية خصوصاً الحرب المفروضة، فشهدت إيران الإسلام بعهده
الميمون باللطف الإلهي واهتمامات
القائد المبجّل نهضة قرآنية عظيمة
ما شهد التاريخ الإسلامي مثله مُنذ عهد الرسول (ص) وعهد علي بن أبي طالب (ع) فلا يكاد الإنسان يدخل
بقعة مباركة أو مسجداً أو مجلساً حتى البيوت إلاّ وتشدّه ترانيم المقرئين تجويدا
وترتيلاً وحفظاً، ويُشاهد إقبالاً للشعب قل نظيره على حفظ تلاوة القرآن وخصوصاً
الأطفال واليافعين، حيث بلغ عدد الذين دخلوا المسابقة الدولية لحفظ وقراءة القرآن
سنة 1414ه في مرحلتها الأولى( 7)
ملايين، وأن هذا العدد سيتضاعف في سنة 1416ه ليصبح ( 13) مليوناً.
وبرز الكثير
منهم في هذه المسابقات مثيرين إعجاب العالم وأساتذة القرآن خاصة غير الايرانيين.
وفي ذلك يقول الأستاذ الشيخ محمد العربي القباني من سوريا " إنني رأيت
أطفالاً يحفظون كل القرآن أو الجزء الأعظم منه ويتلون القرآن تلاوة صحيحة جداً،
والفضل في ذلك يعود الى اللطف الإلهي بالشعب الإيراني، والى اهتمامات وهمة قائد
الثورة الاسلامية سماحة آية الله الخامنئي، إذ أنه إنسان عاشق للقرآن ويهتم كثيراً
بالنشاطات القرآنية حفظاً وقراءة وتجويداً" .
نعم، إنّ
سماحة آية الله العظمى الخامنئي ( دام ظله ) يتبنى بصدق ومحبة وإيمان عميق متجذّر
خدمة القرآن الكريم. فهذه الأجواء القرآنية التي تعيشها إيران هي نتيجة يقين
سماحته بأن إكرام القرآن إعزا للمسلمين، ليس في إيران الإسلام فحسب، بل في العالم
العربي والإسلامي. فبالقرآن يُجمع شمل المسلمين وتتوحّد الأمة وتكون شوكة في عيون أعدائها
كما كان يتمنى الإمام الراحل (رض) في أول صيحة أطلقها وأول خطوة خطاها.
ومن المظاهر
التي أشرقت إيران بها في عهد القائد الخامنئي ( حفظه الله) :
1 توسع المسابقات القرآنية العالمية
السنوية والتي يحضر سماحته بعض جلساتها وختامها، وتكريمه الفائزين وغيرهم من
المتميزين إيرانيين وغير إيرانيين.
2 تأسيس دار ( أسوة) لطباعة القرآن الكريم
وترجمة معانيه في قم المقدسة لتوزيع نسخ القرآن الكريم على مسلمي العالم، وبمعدل 3
ملايين نسخة سنوياً، منعاً لانتشار ترجمات غير صحيحة للقرآن الكريم.
3 افتتاح معاهد خاصة لإعداد معلمي القرآن
في مختلف المدن الإيرانية.
4 تأسيس إذاعة القرآن الكريم عام 1983
باهتمام ومتابعة خاصين من قبل سماحته.
5 إقامة مجالس خاصة سنوياً في شهر رمضان
لتلاوة القرآن الكريم يدعو فيها أشهر القراء وأساتذة القرآن في إيران، يوصيهم بها
بحفظ وقراءة القرآن الكريم بتدبّر وإدراك لمعانيه مؤكداً على ضرورة إقامة المجالس
القرآنية في المساجد ومختلف المراكز.
اهتمامه باللغة العربية:
" بما أن لغة القرآن والعلوم والمعارف الإسلامية هي العربية،
وأنّ الأدب الفارسي ممتزج معها بشكل كامل، لذا يجب تدريس هذه اللغة بعد المرحلة
الابتدائية حتى نهاية المرحلة الثانوية في جميع الصفوف والحقول الدراسية" .
هذا النص
المأخوذ من فقرة في دستور الجمهورية الاسلامية طبع باللغتين العربية والفارسية على
غلاف كتب تعليم العربية في المدارس الإيرانية.
وأمّا حول
اهتمام سماحة آية الله العظمى الخامنئي ( دام ظله ) بالعربية والأدب العربي،
فلنستمع الى كلمة الدكتور محمد علي آذرشب، المستشار الثقافي لسماحته في ندوة إذاعة
طهران العربية حول ملامح الأدب في زمن الصحوة الاسلامية:
يقول الدكتور
آذرشب: " آية الله الخامنئي يعشق الأدب واللغة العربية. وأنه وحتى اليوم مع
زحمة الأعمال التي تحيط به، يعقد جلسات بحث أسبوعية في الأدب والشعر العربي يتعرض
خلالها القليل من الشعر القديم ولكثير من الشعر الحديث، وخلالها سمع مراراً يقول
طالما تمنيت أنني ولدت في بلد عربي يمكنني من الكلام باللغة العربية. لقد طالع
موسوعات في الأدب العربي بأجمعها ووضع عليها هوامش وتعليقات، من ذلك كتاب الأغاني،
فقد طالعه بأجمعه ووضع على حواشيه تعليقات وملاحظات هامة، كما وضع فهرساً كاملاً
بنفسه قبل أن تبادر دار الكتب الى طباعة فهرس الأغاني. وحاول منذ سن مبكر أن يقرأ
لجبران خليل جبران ويترجم له ويقرأ ديوان الجواهري ويعلق عليه، وحتى في السجن لم
يُفَوِّت فرصة الارتباط بمن له ذوق بالأدب العربي، من ذلك أنه التقى في سجن القلعة
سنة 1963م بمجموعة من السجناء العرب الخوزستانيين، فأنس بهم وأنسوا به وكان منهم
المرحوم السيد باقر النزاري، ولا يزال السيد القائد يردد ما سمعه من هؤلاء الأخوة
من أشعار، ويقول سماحته أن السيد النزاري كان يردد كثيراً هذا البيت:
أتت وحياض
الموت بيني وبينها
وجادت بوصل
حين لا ينفع الوصل
وهذا البيت
أيضاً:
سأصبر حتى
يعلم الصبر أنني
صبرت على
شيء أمرّ من الصبرويحفظ عنهم حتى الشعر العامي الذي سمعه منهم وهم يقولون:
البدر شع
بجبينك والله ليله
والبرد بشفاك
يدعج والله ليله
مضت ليلة
بوصالك والله ليله
عثر بي الدهر
وهواك ليّه
ويذكر سماحته
( حفظه الله) إنه كان دائماً يحاول أن يتكلم مع هؤلاء العرب ويتحادث معهم، وكان
يعلم بعضهم قواعد اللغة العربية ويتعلم منهم المحادثة العربية، حتى أنه حينما خرج
من السجن عملوا له " هوسة" : " يا سيد جدك ويّانه" .
واختم كلامي
ببيتين سمعتهما منه ( حفظه الله) :
ثَقُلت
زجاجات أتينك فُرَّغَا
حتى إذا ملئت
بطيب الراح
خفّت وكادت
أن تطير بما حوت
إن الجسوم
تخف بالأرواح
إلى هنا
ينتهي كلام الدكتور آذرشب، وقد أوضح فيه بشكل موجز عن علاقة سماحة آية الله العظمى
الخامنئي ( دام ظله ) باللغة العربية وآدابها (13)،
وكيف لا يكون هكذا وهو القائل: " اللغة العربية مفتاح كنوز المعارف الإسلامية"
.
مشاركته في جبهات الحرب المفروضة:
مع بدء
العدوان البعثي الغادر على دولة الإسلام الفتيّة بتحريك القوى الإستكبارية،
واحتلاله جزءاً من الأراضي الإسلامية، شعر هذا العالم المجاهد بالخطر الذي يحدق
بهذه الدولة وبالمسؤولية الشرعية في الدفاع عن بيضة الإسلام، فتوجّه الى جبهات
الحرب رغم مسؤولياته الجسام ومشاغله المتعددة، وكان من العلماء الأوائل بل من
أوائل المتطوعين الذين التحقوا بركب الجهاد، وكان أوّل عالم دين يلبس الزي العسكري
في الجبهات، وكما يقول سماحته:
" ... سلّمونا البدلة العسكرية، وكانت هذه المرة الأولى التي
ألبس فيها الزيّ العسكري، ولعله لم يلبس أي عالم دين حتى ذلك الحين الزي العسكري
في الجبهات، بل كان طلبة العلوم الدينية يتردّدون على مدينة خرمشهر ويتواجدون في
الجبهات بالزي العلمائي بعد أشهر من هذه القضية" (14).
وكان لسماحته
الدور البارز في عدم سقوط مدينة الأهواز بأيدي البعثيين أوائل الحرب، يقول الشيخ
الرفسنجاني عن تلك الأيام:
" ... ولولا ذهاب السيد الخامنئي والشهيد شمران الى الأهواز
وأمرهم بحفر خندق في أطراف المدينة، ولولا مقاومة المجموعات الصغيرة من قوات الحرس
لسقطت مدينة الأهواز أيضاً" (15).
فتواجد
سماحته في الأشهر الأولى من الحرب في الجبهات، وشارك في العديد من العمليات غير
المنظمة، وكذا في إحدى العمليات العظيمة في منطقة الأهواز حيث تلقّى العدو في تلك
العملية ضربات مهلكة من قوات الإسلام.
ويذكر الإمام
الخامنئي بعضاً من الحوادث التي جرت معه في الجبهات، وهي تدل على نوعية المشاركة
الكبرى:
" من أعز الذكريات وأحلاها، ذكرى فتح مدينة سوسنكرد، والتي لا
أنساها أبداً فذلك اليوم كان عظيماً ومليئاً بالحوادث عندما اقتحم الأخوة تلك
المدينة وسيطروا عليها. ولقد كانت الى ذلك الوقت من الموارد القليلة التي يجتمع
فيها الجيش والحرس والقوى الشعبية وتحت قيادة مركزية في الأهواز حيث كنت، وكان
المرحوم الشهيد شمران عضواً فعالاً فيها. لقد عملنا معاً وكانت ذكرى جميلة جداً"
.
" وإحدى الذكريات الجميلة جداً التي مرت معنا ( في الجبهات)
يوم تقدمت القوات العراقية وعبرت مدينة سوسنكرد واقتربت من الحميدية للسيطرة على
المعسكر الموجود هناك والذي لم يكن يبعد عن البلدة سوى بضعة كيلومترات.
وكان قائد
المعسكر ضابطاً كبيراً قد ذاق الجنود منه أياماً مرة فصرخ في وجوه الجميع قائلاً: "
لماذا تقفون هكذا؟! أتنتظرون العراقيين حت يأتوا ويقطعوا رؤوسكم؟!" وذلك بدلاً من تشجيعهم وحثهم على الصمود
والمقاومة. فبدأوا ينسجون من الممر الخلفي للمعسكر واحداً واحداً. تلك الليلة كانت
عجيبة، حيث كنا جالسين عندما جاؤوا بخبر عبور الدبابات العراقية لبلدة الحميدية
باتجاهنا على الأوتوستراد الذي يؤدي الى الأهواز. لقد هبّ جميع الأخوة وانطلقوا
نحوهم. وكانوا مجموعات من الحرس والقوى الشعبية والقوات التابعة للمحافظة. ولقد
بذل المحافظ ومن معه مجهوداً عظيماً للوصول الى تلك المنطقة. وكان من فضل الله
تعالى علينا أن السماء أمطرت في تلك الليلة الى درجة حولت الأرض اليابسة الى
مستنقعات غرفت فيها الدبابات العراقية، مما أدى الى فرار الضباط والجنود منها
لينجوا بأنفسهم من الغرق، وعندها بدأ الأخوة بتدمير الدبابات واحدة تلو الأخرى
بقاذفات الآربي جي وفي الاتصال الهاتفي الذي أجريته مع تهران ذكرت لهم أن عدد
الدبابات كان يبلغ التسعين. وكان الأخ الشيخ هاشمي في الخط المقابل حيث أصرّ علينا
أن نستولي على الدبابات ونأخذها. وقلت له أن الأمر ليس متيسراً ولا نقدر عليه.
فالعراقيون لم يستطيعوا تحريك الدبابات. ولأننا لم نكن قادرين على المحافظة على
الدبابات فقط اضطررنا الى احراقها بالكامل. وفي البداية كما ذكرت بدأ الأخوة
بضربها بقذائف الآربي جي، ولكنهم بعدها استكثروا ذلك فاكتفوا برمي القنابل في
داخلها. وأنت اليوم إذا مررت من تلك المنطقة يمكنك أن تشاهد بوضوح حطام وبقايا
الدبابات المحترقة" .
لكن بعد
تولّيه رئاسة الجمهورية، لم تتسنّ له الفرصة للمشاركة في جبهات الحرب بصورة
مستمرة، يقول سماحته:
" بعد تسلمي لمنصب رئاسة الجمهورية لم تتسنّ لي الفرصة وللأسف للتواجد المستمر في الجبهات سوى مرة أو مرتين وبصورة
مؤقتة وقصيرة" (16).
لكن رغم كل
ذلك، كان سماحته ينتقل بين الحين والآخر داخل الجبهات لتعزيز معنويات المقاتلين
الأبطال وحلّ مشاكلهم المعنوية والمادية والعسكرية، كما أنّه عمل على تنسيق عمل
القوات المسلّحة خلال عمله كعضو في مجلس الدفاع الأعلى.
وقد هنّأه
الإمام الراحل ( قُدس سره الشريف) على تواجده في جبهات القتال في البرقية التي
بعثها إليه إثر تعرّضه لمحاولة الاغتيال، حيث قال دام ظله:
" ... وما نقموا منك إلاّ لأنّك جندي مستبسل في جبهة الحرب
ومعلم في المحراب و...
وأنني أهنئك
أيّها الخامنئي العزيز على خدمتك لهذا الشعب المظلوم في جبهات الحرب بملابس القتال
وخلف الجبهة بالزي العلمائي..." .
الفصل الخامس : شهادات علماء من أهل الخبرة بمرجعية الإمام القائد (دام ظلّه)
بعد السلام
عليكم أيها الأخوة الكرام أيدكم اللَّه تعالى والدعاء لكم بخير الدنيا والآخرة.
أما ما سألتم
من أعلمية السيد القائد ولي أمر المسلمين آية اللَّه العظمى السيد الخامنئي دام ظله فأقول إني طيلة سنين أجالس السيد القائد واشترك في جلسة شورى
الإفتاء بمحضر من جنابه مع حضور عدة من الفقهاء العظام المعروفين ( دامت إفاضاتهم)
فرأيت السيد القائد دام ظله أدقّ نظراً وأسرع انتقالاً وأقوى
استنباطاً للفروع من الأصول من غيره من المراجع العظام ( حفظهم اللَّه تعالى) ،
فإن كان ذلك هو الميزان في الأعلمية كما هو كذلك، فهذا الميزان قد لمسته من
مباحثات السيد القائد دام ظله ، ومن
هنا أعترف وأشهد بأنه أعلم أقرانه المعاصرين نفعنا اللَّه تعالى وإياكم بزعامته
وإفاضاته وإرشاداته.
والسلام
عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.
السيد جعفر الحسيني الكريمي
26/11/1419 هـ هامش (17)
ملاك
الأعلمية عندي أن يكون الفقيه أقدر على استنباط الأحكام من مصادرها وأدلتها
الشرعية مع ملاحظة الزمان والمكان والمقتضيات، وأنا لا أعرف في المرشحين للمرجعية
اليوم أقوى وأقدر من السيد القائد
دام ظله ، أضف إلى ذلك أن المسألة اليوم مسألة الإسلام والكفر لا مسألة
الأحكام الفرعية فحسب فليتق اللَّه امرؤ ولينظر في عواقب الأمور ومكائد الشياطين
وعدائهم للإسلام وعزمهم على هدم أركانه وتحطيم المسلمين الأصيلين المحمديين
واللَّه من ورائهم محيط، ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير.
أحمد جنتي 6/رجب/1414هـ هامش (18) .
في ظل الخلاف
الحاصل بين الفقهاء العظام في معنى الأعلمية وكيفية إحرازها فإني أعتقد أن آية
اللَّه الخامنئي دام ظله هو الأعلم والأقوى من حيث المجموع
بالنسبة إلى العلوم والأمور اللازمة في التقليد والقيام بأعباء مرجعية الأمة
الإسلامية.
وعليه يمكنكم
تقليده في كل المسائل التي هي مورد الحاجة كما كنت قد كتبت ذلك سابقاً.
محمد يزدي 18/12/77
هـ .ش. هامش (19)
سماحة آية
اللَّه التسخيري، ما رأي سماحتكم حول تقليد قائد الثورة الإسلامية ولي أمر
المسلمين السيد علي الخامنائي ( دام ظله الوارف) ؟
والصلاة
والسلام على محمد سيد النبيين وآله الطاهرين المعصومين وبعد فقد طلب مني بعض
إخواني المؤمنين أن أبدي رأيي بصراحة في مسألة تقليد سيدي الكريم وقائد المؤمنين
وولي أمر المسلمين سماحة آية اللَّه العظمى السيد علي الخامنائي دام ظله على رؤوس
المسلمين، وإني بعد معرفتي بعلمه العزيز ورأيه السديد في مختلف مجالات الشريعة
الإسلامية، ونظراته في الفرد والمجتمع أشهد بأعلميته وبذلك يتعين عندي تقليده حفظه
اللَّه تعالى واللَّه على هذا شهيد.
أسأل اللَّه
جل وعلا أن يوفقه لإعلاء شأن الرسالة وقيادة هذه الأمة لما فيه علاؤها وسؤددها
وتحقيق الأهداف التي رسمها الإمام الخميني الراحل ( قدس سره الشريف) واللَّه ولي
التوفيق.
محمد علي التسخيري
6/ذو الحجة/1418 هـ. مكة المكرمة
لقد ظهرت هذه
الحقيقة في المباحث الفقهية والتحقيقية حول المرجعية أنه يجب أن يتحرك أمر
المرجعية صوب العمل المنظم بحيث أنه إذا تصدى فقيه للمرجعية، وجب عليه التحرك على
أساس هيكلية خاصة ليأتي المرجع من بعده ويتحرك في عمله على نفس الأساس، وأن يتم
الاستفادة الحسنة من المصادر والجهاز المرجعي في أبعاده المادية والمعنوية،
السياسية والاجتماعية في عمل مؤسسي منظم، لا أن تفقد هذه الدخائر بالتشتت والفرقة.
وفي رأيي فإن من لوازم العمل المنظم للمرجعية هو الوحدة بين المرجعية والقيادة في
شخص القائد، فيجب السعي في هذا المجال وإيجاد تحول في ثقافة واعتقاد الناس حول
المرجعية، لأنه بانتصار الثورة الإسلامية، أصبح الحكم للنظام الإسلامي لا للرسالة
العملية، وان هذا العصر يختلف عن الأعصار السابقة، والمرجع بحاجة إلى الإطلاع على
مسائل الحكومة، لأنه يجب على الفقيه الجامع للشرائط إدراك متطلبات المجتمع
والعالم، وفي الوقت الراهن فإن هذا الأمر لم يتحقق في أحد سوى قائد الثورة
الإسلامية، فهو فقيه عادل بصير مدير مدبر وعالم بزمانه و.. لذا وجب اليوم طرح
الأصلح لا الأعلم. ولو سلم أن الأعلمية شرط في المرجعية، فيجب ملاحظة الأعلم من
حيث المجموع، لأن من شروط التصدي للمرجعية الاطلاع والبصيرة بزمانه، ويجب أن يتمتع
المرجع بقوة الإدراك للتحولات والعلاقات الخارجية والداخلية. وفي رأيي فإن الأصلح
والأعلم من حيث المجموع هو سماحة آية اللَّه الخامنئي ( دام ظله ) .
محمد إبراهيم جناتي
26/ جمادي الثانية/1415 هـ.
هامش (20)
من المسلم أن
الأعلمية شرط في المرجعية والأعلم يجب أن يلاحظ من حيث المجموع، لأن من الشروط هو
المعرفة والتبصر بأمور الزمان، ويجب أن تتوفر في المرجع القدرة على إدراك
المتغيرات والعلاقات الخارجية والداخلية. فبنظري الأصلح والأعلم من حيث المجموع هو
حضرة آية اللَّه الخامنئي ( دام ظله ) .
محمد إبراهيم جناتي * 9/9/73 هـ.ش. هامش (21)
بعد رحيل
المرجع الأعلى بقية السلف الصالح آية اللَّه العظمى الشيخ الأراكي ( رضوان اللَّه
عليه) اجتمع أعضاء جامعة مدرسي الحوزة العلمية في حوزة قم المقدسة وصدر عنهم بيان
جاء فيه:
موضوع
المرجعية من أعظم المسائل التي لا يمكن أن تنفك وتنفصل عن مصالح المسلمين
واستقلالهم وعظمتهم ولا أن تناقش ويقرر أمرها بدون الالتفات إلى دسائس ومؤامرات
الكفر والاستكبار ضد الإسلام.
لذا فإن
جامعة المدرسين لحوزة قم العلمية وفي جلسات متعددة بحثت وتبادلت وجهات النظر حول
هذا الموضوع إلى أن توصلت بتاريخ 73/9/11 ه. ش. إلى أن حضرات الآيات السادة
المذكورة أسماؤهم واجدون لشرائط المرجعية، والتقليد لأي منهم جائز والله العالم.
1 آية الله الحاج الشيخ محمد فاضل لنكراني.
2 آية الله الحاج الشيخ محمد تقي بهجت.
3 آية الله الحاج السيد علي الخامنئي (
قائد الثورة الإسلامية) .
4 آية الله الحاج الشيخ حسين وحيد
الخراساني.
5 آية الله الحاج الشيخ جواد تبريزي.
6 - آية الله الحاج
السيد موسى زنجاني.
7
آية
الله الحاج الشيخ ناصر مكارم شيرازي.
|
دامت بركاتهم |
بعد رحلة
المرجع الأعلى آية اللَّه العظمى الشيخ الأراكي ( رضوان اللَّه عليه) اجتمعت
الشورى المركزية لجماعة العلماء المجاهدين في طهران وصدر عنها بيان هام ومطول نذكر
مقطعاً هاماً منه.
بالالتفات
إلى المطالب المذكورة فإن جماعة العلماء المجاهدين في طهران وضمن الاحترام
والإكرام لجميع الشخصيات العلمية والفقهية، لا سيما مدرسي وعلماء حوزة قم المقدسة
وضمن تقديم التعزية بوفاة الفقيه الرباني حضرة آية اللَّه العظمى الحاج الشيخ محمد
علي الأراكي ( رضوان اللَّه عليه) ... وطلب الدرجات العالية للمراجع الكبار الذين
تحملوا المسؤولية العظيمة للمرجعية لا سيما حضرة الإمام الخميني ( قدس سره الشريف)
ومع الدعاء بطول العمر والسلامة للقائد العظيم الشأن للثورة الذي يحمل وبكل قوة
راية الإمامة والولاية المباركة فإننا نعلن أسماء الآيات العظام والفقهاء الكبار،
الذي يعتبر تقليدهم جائزاً والعمل بفتاويهم صحيح ومبرىء للذمة وقد ذكر البيان
أسماء ثلاثة آيات وعلى رأسهم اسم سماحة آية اللَّه العظمى ولي أمر المسلمين السيد
الخامنئي مد ظله العالي على رؤوس المسلمين.
بعد الحمد
للَّه والصلاة والسلام على أشرف أنبيائه نقول مستعيناً باللَّه العلي القدير،
إجابة لطلب إخواننا المؤمنين أعزهم اللَّه تعالى: انه بعد العناية بأهمية مقام
النيابة عن صاحب الأمر الإمام الحجة ( صلوات اللَّه عليه وعلى آبائه المعصومين) لا
سيما في الوقت الراهن العصيب، ومع الالتفات إلى ما يعتبر شرعاً في نيل هذا المنصب
الإلهي الخطير من الشرائط الخاصة الهامة، ونظراً لما أحرزناه وانكشف لدينا من توفر
المؤهلات الشرعية للمرجعية والتقليد في شخص زعيم الأمة قائد الثورة الإسلامية
العلامة المجاهد الفقيه المتضلع آية اللَّه السيد علي الحسيني الخامنئي دامت
بركاته المتتالية نرى أن تقليد المعظم له ( أدام اللَّه ظله الوارف) لا إشكال فيه
ومجزي ومبرىء للذمة إن شاء اللَّه.السيد عباس خاتم يزدي
حررناه بتاريخ 27 جمادي الثانية 1415 هـ. هامش (22)
فيما يتعلق
بسؤالكم حول مرجعية سيدنا القائد ولي أمر المسلمين آية اللَّه السيد علي الخامنئي
( حفظه اللَّه تعالى وأدام ظلاله على رؤوس الأمة) فقد أشرنا بذلك في برقيتنا
السابقة إلى سماحته عند وفاة المرجع الكبير المرحوم آية اللَّه العظمى السيد
الكلبايكاني قدس سره وأكدنا فيها المبررات التي تدلل على صلاح
ذلك للإسلام والمسلمين وأن فيه جمعاً للشمل وتعزيزاً لراية الحق والهدى وقصماً
لكيد الأعداء والكافرين. فنسأل اللَّه سبحانه وتعالى أن يمد في عمره الشريف وأن
يمتع الأمة الإسلامية بقيادته الرشيدة ومرجعيته الصالحة حتى ظهور بقية اللَّه
الأعظم أمام زماننا ( أرواحنا فداه) .. والسلام عليكم وعلى جميع الأخوة المؤمنين
وعباد اللَّه الصالحين ورحمة اللَّه وبركاته.
محمود الهاشمي 27/جمادي الثانية/1415هـ. هامش (23)
سماحة قائد
الثورة الاسلامية آية الله الخامنئي دامت بركاته
أتقدّم
بالتعازي إلى الوجود الشريف والمقدّس لإمام العصر ( عجل الله فرجه الشريف) وإليكم
باعتباركم نائبه بالحق وإلى الشعب الإيراني عامة وإلى الحوزات العلمية وجميع
المسلمين في العالم بمناسبة المصاب الجلل والفاجعة برحيل مرجع العالم الإسلامي
العظيم سماحة آية الله العظمى الكلبايكاني ( قده) الذي كان بحقّ أسوة في التقوى
والفضيلة والعلم والجهاد وخدمة الإسلام والثورة الإسلامية حيث قضى عمره الشريف
والمبارك الى جانب إمام الأمة ( قدس الله سره الشريف) في هذا الطريق، وسار على نهج
ذلك الرجل العظيم في التاريخ.
إن وفاة
هؤلاء الأكابر والأعاظم، مشاعل درب الهداية ونجوم صراط الولاية المضيئة وإن كان
خطباً جللاً ومصاباً عظيماً وثلمة في الإسلام لا يسدّها سوى طلوع نجم آخر، لكن حيث
إن لطف رب العالمين ورحمته والعناية الخاصة لأهل بيت العصمة والطهارة والإمدادات
الغيبية لبقية الله الأعظم ( أرواحنا فداه) شاملة هذه الأمة دائماً وأبداً، فإن
سلسلة مراجع التقليد للشيعة ستظل مستمرة وباقية، وكلّما أفل أو غاب نجم طلع نجم
آخر يسد الفراغ ويحمل لواء الفقاهة والمرجعية الخفّاق على عاتقه بمزيد من
الاستقامة والثبات ومضاعفة في تحمل عبء المسؤلية.
واليوم فإن
عيون الأمل للمسلمين الملتزمين في العالم الإسلامي وأهل الخبرة المخلصين
والمدافعين عن الأهداف السامية والنبيلة للثورة الإسلامية والودائع التي خلّفها
الأمام الخميني العظيم رائد الثورة الإسلامية في الزمن المعاصر متطلعة إليكم
باعتباركم نجم يلمع في طليعة هذه السلسلة المباركة، وتعد اللحظات منتظرة تصدي
سماحتكم لشؤون المرجعية وإدارة الحوزات العلمية راجية من محضركم الشريف ملء
الفراغ الحاصل في هذا الشأن مستلهماً العزم والإرادة من معين الولاية لتقرّ عيون
المؤمنين بذلك وتطمئن قلوبهم.أسأل الله تعالى لسيدنا المعظم طول العمر ودوام
التوفيق.
|
والسلام
عليكم ورحمة الله وبركاته |
السيد محمود الهاشمي 1372/9/19 ه. ش.
باسمه
تعالى
بعد الحمد
والصلاة وتقديم التعزية إلى محضر حضرة بقية اللَّه الأعظم إمام الزمان ( أرواحنا
فداه) وإلى المقام المعظم للقائد ( دام ظله ) أعرض كجواب على السؤال المذكور ان
وجوب الاتباع والاطاعة لولي أمر المسلمين حضرة آية اللَّه الخامنئي في الاحكام
المتعلقة بالجامعة الإسلامية ( الفقه الحكومتي) ليس خافياً على أحد واما في
الاحكام الفردية ( وان كان سماحته في بيان التعزية قد قال ان في حوزة قم المقدسة
مجتهدون جامعون لشرائط التقليد ولكن) في الوقت الراهن حيث إن تشخيص الأعلم ولو
احتمالاً متعذر أو متعسر فإن تقليد السيد المعظم الحافظ والحارس لمصالح الإسلام
والمسلمين مجزيء ومبرىء للذمة بل الأولى بالالتفات إلى مؤامرات أعداء الإسلام
وخوف التفرقة في صفوف المؤمنينيجب على المسلمين المحافظة على الوحدة التي تعتبر
عطية إلهية وأن يبقوا دائماً نصب أعينهم مضمون كلام اللَّه المتعال والآيتين
الشريفتين.
1 واعتصموا بحبل
اللَّه جميعاً ولا تفرقوا.
2 ولا تنازعوا
فتفشلوا وتذهب ريحكم.
وبذلك تتحقق
عزة وعظمة واستقلال الإسلام والمسلمين في جميع الجهات وللَّه الحمد.
حسين راستي كاشاني
27/جمادي الثاني/1415هـ. هامش (24)
إني في الوقت
الذي أبادلكم التعزية بفقد هذا العالم الرباني أسأله تعالى أن يسد هذه الثغرة
والثلمة بالسادة العظام من الكبار الأعلام وفي مقدمتهم سيدي آية اللَّه العظمى
السيد الخامنئي ولا شك أن سماحته بما يتمتع به من صفات معنوية عالية من العلم
والتقوى والخبرة والوعي والفهم الدقيق للأوضاع السياسية والاجتماعية والشجاعة
والقدرة على تشخيص المصالح الإسلامية والموضوعات الشرعية كذلك الموقع القيادي
المتميز في النهضة الإسلامية يصلح لمنصب القيادة والمرجعية الدينية العامة لعموم
المسلمين والمؤمنين بشكل خاص بل يتعين الرجوع إليه في الأمور الدينية ذات الصلة
بالأمور الاجتماعية والسياسية العامة.
وان الالتفاف
حول قيادته ومرجعيته الدينية فيه مصلحة كبيرة للإسلام والأمة الإسلامية. أسأله
تعالى لكم ولجميع الأخوة الأفاضل التوفيق والتسديد وللمسلمين والمؤمنين النصر
والعزة والكرامة.
|
والسلام
عليكم ورحمة الله وبركاته |
محمد باقر الحكيم
27/جمادي الثانية/1415 هـ. هامش(25)
حضرات أصحاب
الفضيلة والسماحة علماء البقاع متّع الله المسلمين بطول بقاءكم.
السلام عليكم
ورحمة الله وبعد:
سألتم عن
تقليد سيدنا آية الله العظمى الخامنئي ولي أمر المسلمين في هذا العصر الذي أحاطت
بكم وبالمسلمين عامة أخطار كبيرة تهدّد كيان الإسلام والأمة الإسلامية من قبل
الاستكبار العالمي والصهاينة، الذين يهتمون بتمزيق المسلمين وتفريق كلمتهم وتشتيت
قواهم لا وفقهم الله.
والجواب: إن
الإمام الخامنئي يشارك غيره في الفقه والتقوى وكل ما يشترط في المُقلَّد، لكنه
اجتمعت فيه شروط تفضّله بل تعيّنه من بين الفقهاء حفظ الله الجميع وهي جهاده
الدائم في سبيل الإسلام وصموده أمام الأعداء، وفهمه السليم والمستقيم للكتاب
والسنة وبصيرته في حل المشاكل الفقهية من أقرب الطرق،
وفي إدارة
أمور المسلمين بأسهل السبل واهتمامه البالغ بتعزيز المسلمين واتباع أهل البيت (ع)
أضف الى ذلك كله أنه فقيه مبسوط اليد، نافذ الكلمة، قائد الأمة والقادر على جمع
كلمتهم. أخذ الله بأيدينا وسدد خطانا.
|
والسلام
عليكم ورحمة الله وبركاته |
محمد واعظ الخراساني 30 جمادى الثانية 1415 هامش (26)
الآن ولله
الحمد والمنّة، فإن جمعاً من الخبراء وزبدة المتخصصين في الحوزة العلمية بقم من
جماعة المدرسين المحترمين قد توصلوا الى نتيجة في موضوع المرجعية الشيعية الخطير،
وحملوا على أكتافهم الحمل الشرعي لتعيين تكليف عامة الناس فعرّفوا عدداً من رجال
العلم والتحقيق ومشاهير الإرشاد والتدريس بعنوان فقهاء يجوز تقليدهم. إنني مع
تقديري لجهود هؤلاء العظام، أعتقد أنّه إن كان لا يوجد بين الذين ذكرت أسماؤهم
للمرجعية من يتعيّن أو يحتمل أن يكون الأعلم، فالأولى والأصلح هو أن تتصدى الشخصية
الممتازة والبارزة لقيادة الثورة سماحة آية الله الحاج السيد علي الخامنئي ( دامت
بركاته) للمسؤوليتين نظراً لمصالح الإسلام السامية والظروف التي تحكم البلاد
والثورة الإسلامية والمصالح الناتجة عن وحدة القيادة السياسية والمرجعية الدينية.
نسأل الله
المنّان المتعال أن يعزّ الاسلام والمسلمين ويسدّد ويحفظ ذلك العظيم.
|
والسلام
عليكم وعلى جميع إخواننا المؤمنين. |
السيد جلال الدين الطاهري
29 جمادي الثانية 1415هـ.
عندما
اجتمعنا في مجلس الخبراء أكثر من سبعين مجتهداً انتخب سماحة السيد القائد الخامنئي
( دام ظله) وعلى أساس الدستور الذي ينص على أن القائد لابد أن يكون قادراً على
الاستنباط في كثير من أبواب الفقه، ومن المعلوم أن معظم أبواب الفقه هي في مسائل
الحكومة والمجتمع ولعلها أكثر من 80 في المائة من مجموع مسائل الفقه فمن المؤكد أن
سماحة السيد القائد هو الأعلم في هذه المسائل وعليه فإني أعتقد أن السيد القائد المعظم
هو الأعلم بعد الشيخ الأراكي.
مرتضى بني فضل
بعد السلام
والتسليم ورفع التعزية إلى سماحة بقية اللَّه الأعظم أرواحنا فداه بمصابنا بالمرجع
الأعلى آية اللَّه العظمى الأراكي ( قدس سره الشريف) فليعلم أن جمعاً كثيراً من
خبراء العلماء في كل إيران وبالخصوص في الحوزة العلمية بقم وكانوا يبلغون سبعين
ونيفاً لقد أحرزوا يوم وفاة الإمام الخميني ( قدس سره الشريف) ان آية اللَّه
الخامنئي دام ظله صالح لأن يستفتي المؤمنون منه مسائلهم في
أبواب مختلفة من الفقه الإسلامي بجميع أبعاده ولذا أرى أن سماحته أولى لأن يكون
مرجع المسلمين في زماننا كما أنه قائدهم المعظم وفيه تقوية للإسلام وعز للمسلمين
ورغم أنف لأعداء الإسلام، اللهم انصر الإسلام والمسلمين في جميع العالم والسلام
عليكم والرحمة.
مرتضى بني فضل
26/جمادي الثاني/1415هـ. هامش (27)
بالأخذ بعين
الاعتبار الشروط التي ينبغي تحققها في الفقيه اعتبر تقليد المجاهد حضرة آية اللَّه
الخامنئي جائز.
عباس محفوظي هامش (28)
وصلى اللَّه
على رسوله وأهل بيته الطاهرين
إنني أرى أن
مرجعية وجواز تقليد سماحة القائد المعظم حضرة آية اللَّه الخامنئي ( دام ظله ) أمر
مُسَلَّم.
سيد علي أكبر قرشي
27/جمادي الثانية/1415هـ. هامش (29)
بعد شهادة
جمع من العلماء العظام وفضلاء الحوزة العلمية والآيات العظام بفقاهة القائد المعظم
آية اللَّه الخامنئي ( دام ظله ) واجتهاده وقدرته الكاملة على استنباط الأحكام
الشرعية لا أرى بأساً ولا اشكالاً في تقليده بل أرى ذلك أنسب وأصلح مع التوجه
والالتفات إلى المصاعب الموجودة بين المسلمين والمصائب المؤلمة الجارية فيهم لأنه
حفظه اللَّه وأطال عمره فقيه عالم ورع بصير يليق ويستحق أن يكون مرجعاً دينياً كما
كان ويكون زعيماً وقائداً سياسياً.
أحمد صابري الهمداني
بتاريخ 27/جمادي الثانية/1415هـ.
هامش (30)
بعد التوجه
لمصلحة العالم الإسلامي والتشيع وبعد الالتفات لوجوب حماية وحفظ النظام الإسلامي
المبارك أعرف آية اللَّه الحاج السيد علي الخامنئي قائد الثورة الإسلامية دامت
بركاته باعتباره أحد المجتهدين الجامعين لشرائط المرجعية الذين نستطيع أن نعرفهم
للمرجعية والتقليد.
رضا استادي جمادي
الثانية/1415هـ. هامش (31)
بعد تقديم
التعزية برحلة شيخ الفقهاء والمجتهدين حضرة آية اللَّه العظمى الأراكي لمحضر حضرة
بقية اللَّه أرواحنا فداه ولمقام القائد المعظم ولعموم الشيعة في الجواب على
السؤال أقول انه وبالالتفات إلى آراء الأساتذة المحترمين في حوزة قم العلمية
والكثير من العلماء في البلاد والقائلة بصحة تقليد عموم المؤمنين والشيعة لحضرة
آية اللَّه العظمى الخامنئي ( دامت بركاته) في المسائل الشرعية، ورأي مجلس الخبراء
في جلسته الأولى القائل بأهلية السيد المعظم لإدارة أمور المسلمين والافتاء في
المسائل الحكومتية ( والتي هي من أهم مسائل الحياة الفردية والاجتماعية) فإن رجوع
عموم الشيعة والمؤمنين إلى السيد المعظم في أخذ الفتاوى الشرعية سيكون صحيحاً
ومبرءاً للذمة إن شاء اللَّه.
أسد اللَّه إيماني
73/9/13 هـ.. ش. هامش (32)
برأيي
وبالالتفات إلى الأثر المهم للمرجعية في تأمين مصالح الأمة والمجتمع الإسلامي
والمكانة الخاصة لها وبالالتفات إلى مقدراتها السياسية والتبليغية والمادية ومواجهتها
لخبث القوى المتسلطة والمستكبرة ومع ملاحظة جميع المعايير والأصول العلمية والفنية
فإن تقليد حضرة آية اللَّه الخامنئي مجزيء ومبرء للذمة وأقوى للنظام والحكومة
الإسلامية والسلام على جميع اخواننا المؤمنين.عباس واعظ طبسي
29/جمادي الثانية/1415
هـ. – 17/9/73
بسم اللَّه
وله الحمد والصلاة على محمد وآله.
بالالتفات
إلى رأي المدرسين المحترمين في حوزة قم العلمية وبيان جماعة العلماء المجاهدين في
طهران ( أيدهم اللَّه) وجمع كثير من علماء البلاد ومع اختيار مجلس الخبراء المحترم
لسماحة آية اللَّه العظمى الحاج السيد علي الخامنئي ( دام ظله ) لمركز قيادة
الثورة الإسلامية وخليفة للإمام الراحل ( قدس سره) ، التقليد لسماحة آية اللَّه
العظمى الخامنئي في كل المسائل لا اشكال فيه ومبريء للذمة.أسأل اللَّه أن يطيل في
العمر المبارك للسيد العظيم حتى ظهور حضرة الإمام المهدي روحي له الفداء.
إسماعيل فردوسي بور
هامش (33)
|
|
بسم
اللَّه الرحمن الرحيم
|
|
"
إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو القى السمع وهو شهيد"
|
||
صدق اللَّه العلي العظيم
|
|
|
هامش
(1) المقدمة مقتطفة من كلمة الأمين العام لحزب اللَّه سماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد حسن نصر اللَّه والتي ألقاها خلال مجلس العزاء المركزي الذي أقامه حزب اللَّه بمناسبة رحيل آية اللَّه العظمى الشيخ محمد علي الآراكي.
(2) برنامج أخلاقي يُبث أسبوعياً من تلفزيون الجمهورية الاسلامية.
(3) جريدة
( رسالت) بتاريخ 4 رجب 1415ه.
(4) جريدة
( رسالت) بتاريخ 4 رجب 1415ه.
(5) مجلة ( باسدار اسلام) العدد 154.
(6) مجلة ( باسدار اسلام) العدد 154.
(7) مجلة ( باسدار اسلام) العدد 154.
(8) جريدة ( كيهان العربي) بتاريخ 18 رجب 1415ه.
(9) بعد تعرض سماحته لمحاولة الاغتيال الآثمة.
(10) بعد رحيل المرجع الكبير حضرة آية الله العظمى الآراكي (رض) قامت جامعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم المقدسة بنشر لائحة تضمنت أسماء سبعة أشخاص واجدين لشرائط المرجعية.
(11) مجلة ( باسدار اسلام) العدد 154.
(12) مجلة ( باسدار اسلام) العدد 154.
(13) جريدة ( كيهان العربي) بتاريخ 21 رجب 1414ه.
(14) كتاب ( المقابلات) ص114.
(15) مجلة ( باسدار اسلام) العدد 6.
(16) كتاب ( المقابلات) ص19.
(17) عضو جامعة المدرسين وأحد أساتذة البحث الخارج في قم المقدسة وعضو مجلس شورى الافتاء في مكتب الإمام الخامنئي، حضر أبحاث السيد الخوئي ( قده) مدة 24 عاماً وأبحاث الإمام الخميني ( قده) 14 عاماً.
(18)
رئيس مجلس
صيانة الدستور في الجمهورية الإسلامية، إمام جمعة طهران المؤقت. / عضو مجلس الخبراء. / عضو جامعة المدرسين.
(19) عضو مجلس صيانة الدستور في الجمهورية الإسلامية، وعضو مجلس الخبراء، ورئيس السلطة القضائية السابق.
(20) مجتهد بإجازة السيد محمود الشاهرودي، وعضو مجمع التقريب بين المذاهب الإسلامية، ومن مدرسي البحث الخارج في قم المقدسة.
(21) ملاحظة: لسماحته شهادة بصيغة ثانية أوردناها
(22) عضو جامعة المدرسين. / عضو مكتب استفتاء الإمام ( رضوان اللَّه عليه) والسيد القائد حالياً.
(23) رئيس السلطة القضائية في الجمهورية الإسلامية. / تلميذ الشهيد السيد محمد باقر الصدر المبرز.
(24) عضو جامعة المدرسين. / عضو مكتب استفتاء الإمام الخميني ( رضوان اللَّه عليه) ومكتب السيد القائد حالياً. / عضو مجلس الخبراء.
(25) رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، نجل المرجع الكبير المرحوم السيد محسن الحكيم ( رض) .
(26) الأمين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية.
(27) هذا الكلام ورد على لسان سماحة الشيخ بني فضل بعد وفاة المرحوم المقدس الكلبيكاني (رض) وهو مضبوط ومسجل بالصوت والصورة.
(28) عضو مجلس الخبراء.
(29) عضو مجلس الخبراء.
(30) من المجتهدين المعروفين
في حوزة قم المقدسة، مقرر أبحاث المقدس السيد الكلبايكاني ( قده) ، حضر عنده أكثر
من ثلاثين سنة، حضر أبحاث السيد البروجردي أكثر من عشر سنوات وحضر دروس الإمام
الخميني ثلاث سنوات.
(31) عضو جامعة المدرسين، ومن الأساتذة المعروفين في حوزة قم المقدسة.
(32) عضو مجلس الخبراء.
(33) عضو مجلس
الخبراء.